الجمعة 19 يونيو 2026

العمل بالمركز الوطني للمعلومات

كُنت ذكرت أنَّ العمَّ الأستاذ عبدالرحمن محمد علي عثمان -رحمه الله- اعتمدَ لي دَرَجة وظيفية أيام توليه وزارة الصِّنَاعة، ونزلت الدرجة بمكتب الصناعة بمحافظة عمران.

ولم يتسنَّ لي الدَّوَام حينها بعمران بسبب البُعد، واستقراري بصنعاء؛ فعملت على النقل، وتَمَّ الأمر.

ثُمَّ إنَّ الراتب حينها كانَ ضَئيلاً؛ لأنه كان بموجب الشهادة الثانوية حين قدمت أوراقي للتوظيف.

وَقَد جهد الأستاذ سالم المعمري على إلحاقي بالمجلة التابعة للوزارة؛ إذ كان العاملون بها يحصلون على مستحقات مُجزِيَة، بالإضافة إلى الرَّاتِب، فلم ينجح في مسعاه؛ لأنَّ الدَّائِرَة كانت مغلقة على نَفَر مَخصوصين، ولم يرغبوا في توسيعها.

فكان علي البدء بالتفكير في وظيفة أخرى، وفاتحت الوالد بالأمر. فقال: إن كان الأمر كذلك؛ فلا أقلَّ من أن تخفف لحيتك. إذ يستحيل أن تحصل على وظيفة بهذه اللحية الكثَّة.

ولا أدري لِمَ لَمْ أطرح الموضوع على شيخنا العلامة محمد بن إسماعيل العمران؛ ليفتيني. وَكَانَ القاضي بسعة علمه، ورجاحة عقله، واعتداله وتفهمه، لا بُدَّ وأن يجد لي مَخرَجًا بحكم الواقع والضرورة التي أنا فيها؛ فيفتيني بجواز ذلك؛ خَاصةً وأنَّ مذهب الشافعية كراهة حلق اللحية؛ لا التَّحريم. وكما قال صاحب الزُّبَد ابن رسلان الشَّافعي:

وفاعل المكروهِ لم يُعَذَّبِ

بل إن يكفَّ الامتثال يُثَبِ

وَلَعلَّ ميلي يومها إلى «عزائم ابن عمر»، بَدلاً عن «رُخَص ابن عباَّس»؛ جَعَلني أعدل عن ذلك؛ فَشَاورت الأخ محمد الشويطر، فَرَأى أن نَذهبَ إلى أحد مشايخ السَّلفيين؛ وهو الشيخ عبد المجيد الرَّيمي؛ لاستفتائه. فزرناه بمسجده؛ وهو مسجد كئيب، يبعث على الضِّيق= وكان وقت صلاة الظهر، فَسلَّمنَا عليه بعد الصلاة، وتعرف علي، وعرف والدي.

وقال: بمَا أنَّ والده اشتراكي؛ فعليه الثبَّاَت على ما هو عليه، ولا يلزمه الإصغاء لأبيه في حلق اللحية.

فعدنا أدراجنا، لكن لمَّا كانت الضَّرُورة أم الاختراع، فقد مَرَّ كلامُهُ بأذني مُرورًا عَابرًا؛ لأني كُنت قد حَسَمت أمري؛ فَخفَّفت لحيتي، وذهبت مع الوالد، لزيارة وكيل وزارة المالية آنذاك جميل العريقي؛ فما قَصَّر، واقترح على الوالد خيارين: المركز الوطني للوثائق، وكان يرأسه الوالد القاضي علي أبو الرجال، والمركز الوطني للمعلومات؛ ويرأسه الأستاذ عبدالكريم شمسان.

وأردفَ قَائلاً: إنَّ المركز الأخير حديث النشأة، وواعِد، والمستقبل أمامه، وقد يحصل على كادر قَريبًا؛ فاخترت المركز الوطني للمعلومات.

فقام الأستاذ جميل بالتَّوَاصُل مع الأستاذ عبدالكريم شمسان، وتَمَّ التنسيق بتحرير ورقة طلب انتداب من المركز الوطني للمعلومات إلى وزارة الصناعة للاحتياج لخدماتي؛ وكان الوزير حينها محمد راجح شيخ؛ وهو شخص من يافع. محترم، وَكَانَ له قَريب شَابَّ في مثل عمري يعمل بمكتبه على غاية من الأدب وَالَّلطف وَالتَّعَاون.

وبمساعدة العم الأستاذ سالم المعمري، حُرِّرَت لي ورقة بقبول انتدابي إلى المركز الوطني للمعلومات.

ومن الطرائف التي حصلت معي، أنه كان علي أن أعود للأستاذ جميل في اليوم التالي لأمر لم أعد أتذكره، لربَّما كان لأجل أخذ كتابه الذي قام بطباعته؛ وهو رسالته للماجستير أو الدكتوراه، أهداه للوالد؛ فمررت للوزارة لأخذه.

وفيما أنا أتخطى بوابة الوزارة؛ إذ بي أسمع صوت الجندي الحارس للوزارة يناديني لأقف، ويقوم بتفتيشي: «يا مطوع!»؛ وهي كلمة تقال للشخص الملتحي.

فَاستغربت، والتفت إليه قَائِلاً: بالله عليك هل لا زلت مطوع في نظرك؟!

فقد كنت خَفَّفت لحيتي لدرجة شعرت معها بأني صِرت شَخصًا آخر، وانقطعت صلتي بأيامي السَّابقَة.

زيارة المركز الوطني للمعلومات والالتقاء بالأستاذ عبدالكريم شمسان:

ذهبت إلى المركز الوطني في حدود الثانية عشر ظهرًا، وصعدت إلى مكتبة رئيس المركز في الطابق الثالث.

وانتظرت بمكتب مدير مكتبه؛ وهو الأخ طه الكبسي. وهو أخ ودود. وأثناء الانتظار أخذنا نتحدث في أمور شَتَّى، واتَّضح أنه يسكن بنفس الحي الذي أسكن فيه بحَدَّه؛ وقال لي: بإمكاني مرافقته على سيارته عند العودة. ثُمَّ حكى لي بعد ذلك أنَّ أخوال إخوانه غير الأشِقَّاء من آل الأهدل؛ السَّاكِنين بِحيسْ.

وأقبلَ الأخ المرحوم عبدالله القهمي بطلعته البهية، وبدلته الأنيقة، وربطة عنقه، ولحيته السوداء، وبيده كأسا ليمون. فناولني وَاحِدًا منها؛ وهو يبتسم بعفوية، ويتفحصني بنظراته المتسائلة.

كان الأخ المرحوم عبدالله قبل عمله كمتعاقد في بوفيه المركز، يعمل في أحد الفنادق، فَاكتسبَ كَثيرًا من المهارات من العمل الفندقي، ومنها إجادته للغة الإنجليزية.

وكان يزين كأس الليمون الذي يُقَدِّمهُ لرئيس المركز أو للضيوف= بشريحة ليمون صغيرة مقصوصة بعناية، ومُلزقَة بِحَافَّة الكأس.

فمن الطرائف أنَّ الأخ محمد العزي جاء ذات يوم للمركز وهو يرتدي قَميصًا أبيض ذو ياقة خضراء.

فَأخَذَ الأخ سعيد العريقي ينظر إليه ويتأمله، وَكأنَّهُ أضاعَ شَيئًا ما؛ فَهُوَ يَبحث عنه، ولا يجده.

ثُمَّ قاَلَ له فجأة: يا محمد أنت اليوم شكلك مثل كاس الليمون الذي يقدمه عبدالله القهمي لرئيس المركز.

فانفجرنا نضحك من هذا التشبيه البليغ من سعيد -رحمه الله؟!

كان الأخ عبد الله شخص متدين عن عاطفة حقيقية وصادقة، وهو إلى جانب ذلك يتسم بسمات قَلمَّا تجدها مجتمعة في شخص. فقد كان طيب المعشر، حَليمًا، واسع الصَّدر، خَاليًا من الأحقاد والكراهية، وكان بعض الزملاء يقسو عليه بِالسُّخرية والتعليقات المسيئة؛ فلا يأبه لذلك، ويمتص كُلَّ تلك الإساءات بابتسامة تشرق قَسَمَاتِهَا على محياه الطَّيِّب.

دخلت مكتب الأستاذ عبدالكريم شمسان؛ وهو مكتب ضخم. أمَّا رئيس المركز الأستاذ عبدالكريم فَشخص قريب الجناب، متواضع، هادئ، ورزين، يستطيع المرء أن يتحدث معه بسلاسة دون أيِّ شُعُور بالتَّكلُّف.

وَسَألنِي الأستاذ عبدالكريم عن الأعمال التي سَبقَ لي أن عملت بها، والشيء الذي أجيده. فأخبرته عن مهارتي في التصحيح والمراجعة اللغوية.

ثُمَّ سَألني سُؤالاً ذكيًّا عن بحث التخرج الذي قَدَّمتهُ في الجامعة؛ ولم أكن أتوقَّع مِثلَ هذا السُّؤال؛ فأخبرته أني عملت بحثى عن «أثر الطباعة في النهضة المصرية»؛ وذلك بعد قدوم حملة نابليون لمصر؛ عام 1798م. فكأنه أعجبه ذلك، واستدعى طه لعمل مذكرة بطلب انتدابي؛ وهذا ما تَمَّ.

(للحديث بقية).