مناقصة علنية لاستثمار وطن
تعلن الجهات المختصة
وغير المختصة
والجهات التي اختصت نفسها بنفسها
عن رغبتها في استثمار وطن
الوطن مستعمل استعمالًا خفًيفا
بعض الحروب على الهيكل الخارجي
وشروخ طفيفة في الجغرافيا
أما الشعب
فيمكن تبديله عند الحاجة
يشترط في المستثمر
أن يكون حسن السيرة والنهب
قادرًا على إدارة المجازر
بكفاءة إدارية عالية
وأن يمتلك خبرة لا تقل عن عشر سنوات
في تحويل الاحتلال
إلى مشروع تنموي
تمنح أفضلية
لمن سبق له استثمار شعوب أخرى
أو خصخصة أنهار
أو بيع هواء في مزاد علني
يتعهد المستثمر
بالحفاظ على التراب الوطني
بعد إزالة المواطنين
كما يلتزم
بعدم العبث بالمقابر
إلا إذا عثر تحتها
على ثروة معدنية
أما اللغة الرسمية للوطن
فتستبدل بلغة المستثمر
توفيرًا لجهد الترجمة
وعلى السكان الأصليين
أن يموتوا بلهجة مفهومة
ويحق للمستثمر
تغيير أسماء المدن
فالمدينة التي قاومت طويلًا
يمكن أن تحمل اسم أحد الممولين
أما الأطفال فتعاد برمجتهم
ليقتنعوا أن أجدادهم
وصلوا إلى البلاد
على متن المساعدات الإنسانية
وفي حال اعترض الشعب
يعتبر الاعتراض
نوعًا من الإرهاب الاقتصادي
ويعاقب صاحبه
بفقدان منزله
أو وطنه
أو حياته
بحسب اللوائح المعمول بها
ترفق مع الطلبات
خطة عمل واضحة
تبين كيفية استخراج النفط
والغاز
والذهب
وآخر ما تبقى
من كرامة الناس
آخر موعد لتقديم العطاءات
قبل نهاية العالم
أما الوطن
فقد اعتذر عن عدم الحضور
وقال في رسالة مقتضبة
جربوا أن تبيعوا أنفسكم أولًا
فقد اعتدتم أن تعرضوا كل شيء في السوق
إلا ضمائركم
حرصًا على الشفافية
تعلن اللجنة العليا لبيع البلاد
أن التقدم للمناقصة يقتصر على الشركات
والهيئات التي تستوفي الشروط الآتية:
أولًا
أن يكون المتقدم قد شارك في حرب واحدة
على الأقل
أو انقلابين ناجحين
أو مؤتمر سلام انتهى بحرب أكبر
ثانيًا
أن يمتلك سجلًا تجاريًا في نهب الثروات
واستخراج النفط واستخراج الذهب
واستخراج الأكاذيب من أفواه المذيعين
ثالثًا
أن يثبت قدرته على إقناع الضحية أنها هي المعتدية
وإقناع القاتل أنه يمارس حقه المشروع
في الدفاع عن مصالحه الاقتصادية
رابعًا
أن يكون قادرًا على بناء مستوطنة فوق أطلال قرية
ثم بناء متحف ليشرح للزوار
أن القرية لم تكن موجودة أصلًا
خامسًا
أن يملك فريقًا إعلاميًا محترفًا
يجيد تحويل المجاعة
إلى أزمة غذائية
والاحتلال إلى خلاف حدودي
والمجزرة إلى حادث مؤسف
شارك فيه الجميع
سادسًا
أن يتعهد باحترام حقوق الإنسان
على ألا تزيد أعداد البشر
على الحد المسموح به استثماريًا
وتنوه اللجنة أن أصحاب الضمائر
لن تقبل طلباتهم
لعدم ملاءمتهم لطبيعة المشروع
كما تستبعد العروض المقدمة من الشعراء
والفلاحين والأمهات والأطفال
لأن خبراتهم السابقة
اقتصرت على حب الوطن
وهي مهنة لم تعد معترفًا بها
في الأسواق العالمية
أما الضمانات المالية
فيكفي تقديم حاملة طائرات
وقاعدتين عسكريتين
وثلاثة بيانات شجب
وحق نقض واحد في مجلس المصالح
وفي حال تعثر المستثمر
تلتزم القوى الكبرى
بإنقاذه فورًا
أما الشعب
فيترك لقوى السوق
وتحتفظ اللجنة بحقها الكامل
في رفض أي عرض لا يحقق أعلى نسبة ربح
أما أعلى نسبة عدالة
فقد تم إلغاؤها من دفتر الشروط
لأنها بند قديم لم يعد له أية جدوى اقتصادية
وحرصًا على توفير بيئة استثمارية جاذبة
يتمتع المستثمر بالحقوق الآتية:
له حق التصرف في الأرض
ومن عليها ومن تحتها ومن يحلم بها
وله حق تعديل الجغرافيا
بحذف جبل
أو إضافة حاجز
أو نقل نهر إلى دولة صديقة
وله حق التنقيب عن النفط
والغاز والذهب والآثار
وكل ما نسيه الأجداد في باطن الأرض
حتى لو كان الأجداد أنفسهم
وله حق إعادة تسمية الشوارع
فيجوز استبدال شارع الحرية
بشارع الممول الكريم
وساحة الشهداء بساحة الاستثمار
ووادي الدموع بوادي الفرص الواعدة
كما يحق له إعادة كتابة التاريخ
وفق أحدث المواصفات العالمية
فتلغى الهزائم وتضاف انتصارات
ويمنح الغزاة صفة المكتشفين
أما أصحاب البلاد فيشار إليهم بعبارة
جماعات محلية غير موثقة
ويحق للمستثمر التحكم في المناهج الدراسية
فيتعلم التلاميذ أن الشمس تشرق بإذن الأسواق
وأن الحرية إشاعة
وأن الوطن شركة مساهمة
وأن المواطن الصالح هو الذي يدفع الضرائب
ويموت بصمت
ويحق له إقامة الجدران
بين مدينة ومدينة
وبين أخ وأخيه
وبين الإنسان وظله
حتى يعتاد الجميع أن الحواجز ظاهرة طبيعية
كالجبال والفصول الأربعة
أما الهواء
فيبقى مجانيًا في المرحلة الحالية
إلى حين العثور على وسيلة عملية لفرض رسوم عليه
وتلتزم الجهات المنظمة بحماية المستثمر
من أية خسائر محتملة
وفي حال تمسك الشعب بوطنه
أو أصر على البقاء في بيته
أو ادعى أن له حقًا في أرض أجداده
فإن ذلك يعد إخلالًا بالمناخ الاستثماري
وتتخذ بحقه الإجراءات اللازمة
وفق القانون ووفق الأعراف
ووفق ميزان القوة
فالعدالة كما تعلمون
لا تدخل في كراسة الشروط
وفي الختام
تؤكد اللجنة أن الوطن فرصة استثمارية نادرة
وقد نفدت أوطان كثيرة قبل وصول هذا الإعلان
فعلى الراغبين الإسراع في تقديم عروضهم
قبل أن يسبقهم أصحاب الوطن ويستردوه
وحرصًا على نجاح المشروع الاستثماري
يلتزم السكان الأصليون بالتعاون الكامل مع المستثمر
ويشمل التعاون:
عدم التمسك بالبيوت
فقد ثبت أن الحجارة تعوق التنمية
وعدم التعلق بالأرض
لأن التراب ملك لمن يملك الجرار
لا لمن يملك الجذور
كما يلتزم المواطن بعدم التورط في كتابة تاريخه
إلا بعد الرجوع إلى الجهات المختصة
بتصنيع الوقائع
ويمنع منعًا باتًا استعمال عبارة هذه أرضنا
ويستعاض عنها بعبارة أكثر تحضرًا
نشكر الجهات المعنية على سماحها لنا بالعيش
المؤقت في وطننا السابق
أما كبار السن
فعليهم أن يتوقفوا عن حكاية القصص
فالحكايات القديمة تؤثر سلبًا في مناخ الاستثمار
ويمنع الجدات من خبز الذاكرة للأحفاد
ويحظر على الأمهات تعليق صور الأبناء على الجدران
فالجدران معدة للإعلانات التجارية
لا للأحزان الشخصية
أما الأطفال
فيمنعون من رسم الشمس فوق البيوت
لأن البيوت قد أزيلت
ويمنعون من رسم الشجر
لأن الشجر قد اقتلع
ويمنعون من رسم العلم
لأن الموضوع مازال قيد الدراسة
كما يلتزم الشعراء بعدم كتابة القصائد
فقد أثبتت الدراسات أن بيتًا من الشعر
قد يسبب خسائر فادحة في أسهم الكذب
وعلى المثقفين أن يتحلوا بالواقعية
فالحقائق الجديدة أكثر تطورًا
من الحقائق القديمة
وفي حال إصرار المواطن
على تذكر اسمه
أو اسم أبيه
أو اسم قريته
أو اسم الشهيد
الذي كان يسكن جواره
تقوم الجهات المعنية بمساعدته على النسيان
بكل الوسائل المتاحة
وتؤكد اللجنة أن هذه الإجراءات
لا تستهدف الإنسان
بل تستهدف فقط ذاكرته
وبيته وصورته
وأطفاله وتاريخه
أما الإنسان نفسه
فله كامل الحرية
في أن يختار المنفى الذي يناسبه
افتتحت الجلسة
بحمد السوق
والصلاة على الأرباح
ثم تأكدت اللجنة من حضور الأعضاء:
حضر تاجر السلاح
وحضر سمسار الخرائط
وحضر خبير القانون الدولي
مشفوعًا بقانون محلي
عند الحاجة
وغاب الضمير
فاعتذرت الأمانة العامة
بأن المذكور توفي منذ سنوات
ولم يخلف وريثًا شرعيًا
افتتح الرئيس الجلسة
العرض الأول
دولة عظمى تطلب نصف الوطن
العرض الثاني
دولة صغرى تطلب النصف الآخر
العرض الثالث
شركة متعددة الجنسيات
تطلب ما تبقى من البحر والسماء
سأل أحد الأعضاء
وماذا عن الشعب؟
راجع الرئيس الأوراق
وقلب الملف
ثم قلب الوطن
ثم قال
غريب
لا يوجد في الملف أي ذكر للسكان
قال عضو آخر
ربما سقطوا سهوًا
قال الرئيس
لا بأس
يمكن تعويضهم في الطبعة القادمة
في الموعد المحدد
اجتمعت اللجنة العليا
وبعد التأكد من اكتمال النصاب
واكتمال النصاب المالي
ونقصان النصاب الأخلاقي
افتتح الرئيس الجلسة
أمر بإحضار المظاريف
جيء بالمظاريف مختومة بالشمع الأحمر
ومذيلة بتوقيع السفراء
ومرفقة بضمانات بنكية
تؤكد قدرة أصحابها على شراء المستحيل
فتح الظرف الأول
كان العرض سخيًا
تعهد صاحبه بشراء الأرض
وترك السماء لأصحابها
لكن اللجنة رأت أن السماء
قد تحتوي على غاز
فاستبعد العرض
فتح الظرف الثاني
تعهد صاحبه بشراء الأرض والسماء
وطلب البحر مجانًا
تشجيعًا للاستثمار
صفق بعض الأعضاء
وسجلت الملاحظة في محضر الجلسة
فتح الظرف الثالث
كان أكثر جدية
صاحبه لا يريد الأرض
ولا البحر
ولا السماء
يريد فقط أن يمتلك الرواية
فمن يملك الحكاية
قال في عرضه
يوفر على نفسه ثمن المدافع
وقفت اللجنة احترامًا
وأوصت بدراسة العرض من جميع جوانبه
ثم دخل موظف صغير
قال للرئيس
عفوًا سيدي
هناك مشكلة
قال الرئيس
هل نفد الحبر؟
قال لا
هل انقطعت الكهرباء؟
لا
هل انسحب المستثمرون؟
لا
قال الرئيس غاضبًا
إذن ما المشكلة؟
قال الموظف
الوطن غير موجود
ساد الصمت
أعيد عد الخرائط
وأعيد عد الحدود
وأعيد عد الجبال
والبحار
والأنهار
والموانئ
وحقول النفط
لكن الوطن
لم يكن بينها
شكلت اللجنة لجنة فرعية
وشكلت اللجنة الفرعية
لجنة تحقيق
وشكلت لجنة التحقيق
لجنة فنية
وبعد اجتماعات طويلة
خلصت اللجان إلى أن الوطن
كان موجودًا عند إعداد المناقصة
لكنه اختفى قبل فتح المظاريف
سأل الرئيس
هل سرقه أحد؟
قال خبير الاقتصاد
مستحيل
فالأوطان لا تُسرق
قال خبير السياسة
بل تُستثمر
قال خبير القانون
بل يعاد تنظيمها
قال خبير الإعلام
بل لم تكن موجودة
من الأساس
وفي آخر القاعة
رفع عامل النظافة يده
قال
سيدي الرئيس
أظن أنني رأيته
قال الرئيس
أين؟
قال
خرج من الباب الخلفي
كان متعبًا
يحمل حفنة تراب
ورغيف خبز
وصورة أم
وبضعة أطفال
سألته
إلى أين؟
فقال لي
أبحث عن شعبي
فالمناقصة
لم تعد تتعبني
ارتبكت اللجنة
وشطب الرئيس
آخر بند في الجلسة
ثم قال للحاضرين
ترفع الجلسة
إلى حين العثور
على وطن آخر
يقبل البيع
القرار النهائي:
بعد الاطلاع على كراسة الشروط
وعلى العروض المقدمة
وعلى الخرائط المعدلة
وعلى التقارير السرية
والعلنية والسرية جدًا
وبعد الاستماع إلى إفادات الخبراء
والسماسرة والوسطاء
وشهود الزور
قررت اللجنة العليا ما يلي:
أولًا
إلغاء المناقصة
لا لعيب في المستثمرين
فقد كانوا على أعلى درجات الكفاءة
ولا لعيب في السماسرة
فقد أدوا واجبهم بكل أمانة تجارية
ولا لعيب في القوانين
فقد فصلت على مقاس الصفقة
لكن
تبين للجنة بعد الفحص والمعاينة
أن الوطن المعروض
لا يصلح للبيع
كلما اقتطعوا منه قطعة
عاد واكتمل
وكلما محوا اسمه
كتبه الأطفال على دفاتر المدرسة
وكلما هدموا بيتًا
بناه أصحابه في أغنية
وكلما أغلقوا بابًا
دخل من نافذة
وكلما دفنوا شهيدًا
وقف ألف شاهد يعترض على إجراءات الدفن
كما ثبت للجنة
أن تراب الوطن يرفض الانتقال
إلى المالك الحديد
وأن أشجاره لا تعترف بسندات الملكية
وأن الأنهار تجري في الاتجاه المعاكس
للقوانين النافذة
وأن الأمهات
لا يتقيدن بقرارات اللجنة
أما الشعب
فقد تبين أنه العيب الأكبر في المشروع
كلما جاع تمسك بخبزه
وكلما خاف تمسك بأطفاله
وكلما خسر معركة
عاد يطالب بوطنه كاملًا
وهو سلوك يتعارض مع مبادئ الاستثمار الحديث
وعليه
توصي اللجنة بالبحث عن وطن آخر
شعبه أقل ذاكرة
وأقل عنادًا
وأقل حبًا لأرضه
كما توصي بعدم تكرار الخطأ نفسه
والتأكد مستقبلًا
من خلو الأوطان
من أصحابها
صدر القرار بالإجماع
وقعه الحاضرون
وختموه بالشمع الأحمر
ولما هموا بالمغادرة
وجدوا أن الأوراق قد اختفت
والخرائط قد اختفت
ولم يبقَ على الطاولة
إلا ورقة صغيرة
كتب عليها بخط رديء
المناقصة لاغية
فالذي خلق الأوطان
لم يخلقها لتكون سلعة
