تنحّي جانبًا أيتها الجاذبية فميسي يرسم التاريخ بقدمه..!
محاكاة على ضريحي محمود درويش، ودييغو مارادونا.
(1)
برقيات من برزخ الشغف
البرقية الأولى:
ماذا تفعل بالوقت يا ليونيل..؟ ماذا تصنع بالمواعيد المعلّقة على جمر الانتظار..؟ أنا دييغو.. من جحيم قبري في بوينس آيرس أرقب خطواتك، وأتابع ارتعاشة الأرض تحت قدميك الصغيرتين.
البرقية الثانية:
أنا محمود درويش.. من هنا.. من عزلتي في الغياب الأبدي، أسمع حفيف الأقلام تكتبك يا ميسي بدم الحبر في أرجاء المعمورة، محاولةً مجاراة حماسة قلمي قبل عقود أربعة.
البرقية الثالثة:
(إلى روح درويش):
درويش يا غائبنا الحاضر.. مازال الوقت مبكرًا للحديث عن الكأس الثالثة. دعنا نتحدث عن حلم يسيل كلعاب في أفواه الكادحين الذين يرفضون النوم. البسطاء يقتسمون قلق الأمسيات القادمة، والكأس لم تزل فكرة في رحم الغيب، وخوفنا معلّق كالقناديل على قدم ميسي المعجزة..!

بمنْ نأنس ونحن نرى العالم يتحول من مشاهدين إلى عشّاق ينتظرون معجزة؟ ولمن سنرفع صراخ الحماسة ودبابيس الدم الفائرة، إن لم يتقدّم هذا النحيل ليعيد صياغة العدالة في هذا العالم؟ كنت تقولها يا مارادونا، وها نحن اليوم نصرخ: يا ليو.. ماذا فعلت بالساعة قبل أن تبدأ المباراة..؟ ماذا صنعت بمواعيد الفقراء الذين أجلوا موتهم بانتظارك..؟
(2)
فراغ الأيام يتقدّم منّا كطبل من حديد بارد إن أنت انكسرت. الفقراء في أزقة روزاريو، الكادحون في شوارع الخرطوم، وحتى في مخيمات غزة، وفوق كل بقعة منسيّة على هذه الأرض؛ كلهم لا ينتظرون مجرد لعبة، بل ينتظرون ثأرًا من الحياة. إنهم يجرّون الخطى الثقيلة نحو يومياتهم البائسة، ويؤجلون الحديث عن الغلاء والحروب والظلم، ليتفرغوا لطقس واحد: محبة ميسي، والدعاء له.
يا درويش..! إننا هنا في دنيا المتعبين نرى اليوم ما رأيته أنت في مكسيكو 1986. نرى شعوبًا كاملة تقفز أمام الشاشات لفك حصار الألمان والأوروبيين الثقيل؛ حصار يخنق الهواء ويمزق أعصاب هذا الأرجنتيني النحيل. نخشى عليه من خشونة مدافعين غلاظ يحاولون كسر ساق العازف، لا لشيء إلا لأنهم يعجزون عن فهم الموسيقى التي يرتجلها.
إذا كنتَ قد قلتَ إن مارادونا يعيد جزر الفوكلاند بالكرة..! فإنني أقول لك من دنيتي المترقبة: إن ميسي يحمل اليوم حلم المستضعفين كلهم ليثبت أن الطفولة قادرة على هزيمة الآلة الكبرى؛ أحلام من يسكنون بيوت الصفيح والخرسانة على حد سواء.
(3)
عرفناه على العشب في عام رحيلك يا درويش. له وجه قديس متعب من كثرة السهر، وجسد معبأ بالريح، وقلب أسد يخفيه تحت صمت رهيب، وقدمَا غزال تختصران المسافات. له هتافنا المكتوم في الصدور قبل أن ينفجر: ميسي.. ميسي.. ميسي! فنتصبب عرقًا وخوفًا من الدقائق القادمة.

إنه لا يركض كبقية البشر؛ هو ينزلق فوق العشب كالفكرة الغامضة في رأس شاعر قبل الوزن. يراوغ كالثعلب الذي يقرأ أفكار الصياد، ويقفز وسط غابة من السيقان الخشنة، ويمر عبر ثقب إبرة في دفاعات متكتلة كالجدران الإسمنتية. يهمس للكرة فتنصاع له كطفلة مطيعة تحب والدها.
إن هو لم يسدد الليلة ستموت الأرجنتين وملايين الكادحين من البكاء، وإن هو لم يصوّب نحو المجد، سترفع الشعوب المقهورة نُصبًا لانكساراتها المتتالية. سيتوقف الفرح في الميادين، وتربح القوى المغرورة حربها مرتين. ولكن ميسي يتقدم بالكرة من حيث تراجعت السلطة، ليعيد الكرامة والبهجة إلى قلوب المحرومين. نعم هو يفلت.. وأما نحن فنموت التياعًا.
(4)
ما هي هذه اللعبة في حقيقتها الطاغية..؟ ما هذا السحر الذي يعصف بالبشر ولم يجد له الفلاسفة تفسيرًا؟ ميسي لا يسأل، بل يطيع غريزته. رونالدو يركض خلف الأرقام والكمال الجسدي أمام مرآته، ومبابي يندفع بسرعة قطار حديث فائق السرعة لكنه بلا روح، ونيمار يتلوى من وجعه الفردي فوق العشب.
أما ميسي.. هو وحده من يعرف أن كرة القدم هي حياته وأهله وحلمه، هي وطنه وكونه بأكمله. منذ طفولته الفقيرة المنسية في كوخ من صفيح بمدينة روزاريو، تعلّم المشي على الكرة بسبب مرض نقص النمو الذي كاد يغتال أحلامه. كان يلف كرة الخيطان حول علب الصفيح الصدئة ويلعب في الأزقة الضيقة.
الكرة هي التي علمته المشي كنوع من العلاج الروحي؛ مشى من أجلها طويلًا، لتبعها أينما ذهبت، وليسيطر عليها تمامًا حتى صارت جزءًا من جسده. طفولته الكاملة تمحورت حول كرة الخيطان حتى هاجرت به أسرته خلف البحر لإنقاذ موهبته. وهناك.. انطلق كبرق مشيدًا مجدًا لطالما انتظره على العرش. لم يكترث بالاستعراض، لأن الكوكب كله انصاع لمشاهدة قدمه اليسرى الساحرة، التي رفعت اللعبة إلى مرتبة الفنون الرفيعة التي لا تموت.
(5)
قدم ميسي اليسرى، وكعب أخيل الأسطوري؛ أشهر قدمين في تاريخ الحكاية الإنسانية. فلماذا نخبئ التساؤل المكبوت الذي يوقده فينا كل هذا الجنون؟ لماذا لا تكون كرة القدم موضوعًا أساسيًا للفن والأدب الرفيع؟
لماذا لا يتعامل الأدب مع هذا البارود العاطفي الذي يشعل الملايين في مشهد يتحول فيه الجمهور نفسه إلى دراما حية؟ هيا أخبروني: أهناك عذاب أشد قسوة، ووحشة أقسى من وحشة حارس المرمى أمام ضربة جزاء يسددها ميسي؟ أهناك ضغط أثقل من التحكم بمصير الأمة المعنوي ونومها الهانئ في الليل؟ أليست هذه اللحظات أشد رهبة من وحشة أبطال تشارلز ديكنز وهم يساقون تحت المقصلة في روايته "قصة مدينتين"؟ بلا شك.. إنها أشد قسوة لأن المقصلة هنا تهدد هوية أمة بأكملها. الكل يقف شاحبًا بانتظار صافرة أو تسديدة، والتاريخ يقف متفرجًا يحمل قلمه ليكتب براءة الضحية أو إدانة البطل.
(6)
ما هي هذه اللعبة في نهاية المطاف؟ هي مسرح واقعي لتعديل موازين القوى، ومحاولة لخلق واقع بديل في أذهان المستضعفين. لعبة تعيد تركيب العالم بجدارة لا تعترف بالمال أو النفوذ أو السلاح؛ حرب باردة يمارس فيها خيال الشعوب المقهورة دوره الغائب في دهاليز السياسة.
لا أحد يتفرج على سباق أجساد مجرد، بل نرى مهارة تعبّر عن طبائع الأمم في الهجوم والدفاع، في العنف والرقص. الجميع ينخرطون بكامل ثقلهم النفسي، ولعل المشاهدين خلف الشاشات هم أشد اللاعبين اندفاعًا، لأنهم يدفعون بتاريخهم النفسي الجريح، ورغبتهم في التعويض عن الهزائم التاريخية إلى أرض الملعب. إنها الوطنية المتفجرة في أبهى صورها العفوية، وشرارة الإفصاح عن الباطن المكبوت في وجه المستبد، والانتقام الجماعي من عدم التكافؤ بين دول كبرى ودول صغرى. باختصار.. إنها ما تبقى من إجماع بشري حول هدف نبيل.
(7)
موج البحر لا يوقفه ملك أحمق، ولكن ميسي هو وحده الذي يخفف من ثقل هذا العالم. لقد رفع الكرة إلى مستوى التجريد الطاهر الخالص من لوثات السياسة وعفن البيروقراطية. لم يحرّك فينا العاطفة القومية الضيقة، فهو ليس من بلادنا، ولم يولد في قرانا المهجورة، ولكنه حرّك فينا حاسة الدفاع عن الجمال البشري في مواجهة القبح والجفاف.
يلعب ميسي من أجل اللعب الصافي والبهجة النظيفة، يحوّل الكرة إلى أغنية راقصة تنساب بسلاسة الماء؛ مزيج مذهل من السامبا الحارة والتانغو الحزين والمكابر. لا يمكن إيقافه أبدًا إذا قرر المرور. صانع الفرص المستحيلة من لا شيء، ونشّال ماهر للوقت والكرات في المساحات الميتة، يمر كالهواء الخفيف عبر المضايق ليثبت أن الأحلام لا تموت بالتقادم.
(8)
ميسي.. يا حلمنا المعلق على حافة الشفاه، يا بطلنا الصوفي الصامت..! إلى أين ستأخذنا بهذه النسخة الجديدة من كتاب معجزات لم يغلق بعد؟ من قبره يبتسم لك دييغو وهو يراك تقترب من النجمة الثالثة التي تضيء ليله الطويل، ومن غيابه يومئ محمود درويش للكُتاب أن يستمروا في هجاء الوقت والآلة.
ميسي.. ساعدنا في هذه الليالي على تحمل رداءة هذا العالم وقسوته الجافة. ساعد هذا العصر على الخروج من السأم القاتل والملل الرتيب كي يدخل في دهشة العبقرية الفردية التي تمنح الفقراء حق الحلم.
ميسي..! متى ستحمل اسمك الساحر من على شفاهنا لنعود إلى قراءة كتب الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع، أم أنك ستكتب بقدمك اليسرى فصولًا جديدة من فلسفة عجزت عنها المجلدات، وتنقش على العشب لوحة البساطة المطلقة؟
سر يا ليو... نحو الكأس.. فخلفك طابور طويل من المتعبين يرفضون أن يستيقظوا من هذا الحلم الجميل.
ميسي.. ميسي.. ميسي!
