الخميس 18 يونيو 2026

الفَضُول اسمٌ عَلى مُسمَّى

الفَضُول اسمٌ عَلى مُسمَّى

ربَّمَا أرادَ المُبدِع الكَبير؛ الشَّاعِر، وَالشَّاعِر الغنائي؛ الصَحفي الرَّائِد وَالسَّاخِر= رُبَّمَا أراد بتسمية صحيفته المُؤَسِّسَة والرَّائدة؛ والتي أصدرها عَقِب فَشَل حركة 1948؛ كَردّ على نكبتها؛ وهي نكبة أول انقلاب دستوري في صنعاء؛ أعدِمَ فيه أفضل عُلمَاء اليمن، ومفكريها، وأحرارها؛ وَكَانَ ضِمن الكوكبة التي طَالهَا سَيفُ الجلاد عبدالوهاب نُعمَان؛ أحدَ القادة الدستوريين في الحركة.

هَرَبَ الشَّاب عبدالله عبدالوهاب نعمان إلى عدن، وأصدر صحيفته التي أطلَقَ عليها اسم «الفضول».
كانت الفضول -رغم سخريتها الهازئة بالنظام الإمامي الكهنوتي- صَوتَ العقل، وَالضَّمير، وَالحُريَّة؛ المُدَافع عن الأحرار الذين يُقَادُون للإعدام بدون محاكمة؛ ولو شَكليَّة.
فَبمجرد وصول برقية من الإمام أحمد: "اقتُلوا فُلانًا وفلانًا"؛ يَتمُّ الإعدام؛ ولا سَبيلَ للمراجعة، أو العفو، أو التَّسَامُح.
وَيَقينًا؛ فَغَالبيةَ المُقدَّمِينَ للإعدام لا صِلةَ لهم بقتل الإمام يَحيَى؛ وَإنَّمَا كانوا دُعاة إصلاح، وطلاب حُكم دستوري.
سَطعَ نَجم أو شمس الصحفي الشَّاعِر الكبير عبدالله عبدالوهاب نعمان، وَانتقلَ اسم الصحيفة «الفضول» الذي أرِيدَ بِهِ المَعَنى السِّلبي (المتطفل)؛ بينما أراده الصحفي: المستطلع للفهم، والوصول إلى الحقيقة، وكشف المستور.
وَاكتسبَ المعنى اللغوي (الفضول) الآتي من حِلف الفَضُول في مَكَّة؛ ومن الفضل والتفضل والإفضال؛ وهو مَا غَطَّى على الاسم الحَقِيقي؛ لِعَلمٍ أصبحَ قاَئدًا سِياسيًّا ومثقفا بارزًا، وَرَمزًا صحفيًّا، ووزيرًا للإعلام، وأبو النكُّتة السياسية.
أمَّا شِعرُهُ وشعره الغنائي؛ فَلا أسمَى، وَلا أجمَلَ، ولا أروعَ.
طَلبَ إليه مُحِبُّوه -ومَا أكثرَهُم- أن يكتب أغنيةً لأم كلثوم؛ سَيِّدة الغناء العربي، وقالوا له: سَوفَ تدخل التاريخ من أوسع الأبواب؛ إذا غَنَّت لَكَ أم كلثوم؛ فقد غَنَّتْ للعديد من الشُّعَراء العرب: الهَادي آدم السوداني، وعبدالله الفيصل السعودي، وآخرين؛ فَضَحِكَ، وقال لهم: "لا أريد أن أدخلَ التاريخ من أوسع أبوابه، وَإنَّما أريد أن أدخل البنك من أضيق شُحْج" (منفذ صغير).
فَأرسلوا له ألف جنيه إسترليني. وَيَتوقَّع نَجلُهُ السَّفير مروان نعمان أن يَكونَ المبلغ المُرسَل من أصدقائه الذين طلَبُوا منه كتابة الأغنية؛ وهما أمين قاسم الشميري، والشيخ جازم الحروي؛ وإليكم القصيدة التي أدخلَ عليها الشَّاعِر تعديلات عَديدة؛ حسب رواية نجله الأستاذ مروان، وَأرسِلَت لأم كلثوم.
والقصيدة الأغنية رائعة من روائع المبدع الذي غَمَرَ الفَضَاء اليمني والعربي بأغانيه ذات النَّفَس العاطفي والنضج الفني الرَّائع.

لَكَ أيَّامِي وَشَوقِي وَحَنِينِيْ
لَكَ آهَاتُ َفُؤادِي وَشُجُونِيْ
أنتَ رُوحِي أنتَ مَا لَمْلَمْتُهُ
من مُنَى العُمْرِ وَأحلامِ السِّنينِ
عِشتُ دُنيَا أنتِ فِيهَا حُلُمِيْ
فِي أحَاسِيسِيْ وَفِي نَبضِ دَمِيْ
لا أرَى بُعدَكِ إلا عَدَمِيْ
يَا حَبِيبيْ لَنْ نَتُوبْ
لَيسَ في الحُبِّ ذُنُوبْ
بَينَنَا عَهدُ قُلُوبْ
عَهدُ عَلَّام الغُيُوبْ
لَمْ يَعُدْ سِرًّا هَوَانَا أو تَخفِّيْ
ألفُ قَلبٍ لِهَوانَا لَيسَ تكفِيْ
فَارحَمِينَا ألسُنَ النَّاس وَكُفِّيْ
حُبنا أكبرُ مِنَّا
وَهَوانَا لَيسَ يَفنَى
أبَدًا حَتَّى لَوَ انَّا
نَحنُ أبعَدنَاهُ عَنَّا
حُبنَا مَا تَاه في الإثْم وَلا ضَلّ
حُبنا حُكمٌ من الأقدَار مُرسَلْ
حُبنَا قُرآنُ قَلبينَا المُرتَّلْ
لَيسَ في أيَّام بُعدِي عَنكِ إلا حَسَراتِيْ
إنَّهَا تَأتِي يَتِيمَاتْ كَأيَّامِ وَفَاتِيْ
وَبِهَا وَحشةُ قَبرِيْ وَلَهَا صَمتُ رُفَاتِيْ
بدر أيام فؤادي الباسماتِ
وَضُحَى عُمريْ وَأشوَاقُ حَيَاتِيْ
لَيسَ مَا مَرَّ، وَلكِن مَا سَيَاتِي
يَومَ ألقَاكِ فَألقَى أمنِيَاتِيْ