الأربعاء 17 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • الجنوب بين شرعية المطالب وحدود القانون

الجنوب بين شرعية المطالب وحدود القانون

سالني الأخ العزيز عاتق الأحول سؤالًا مهمًا حول مدى حق الجنوبيين في المطالبة باستفتاء خاص بالمحافظات الجنوبية لتحديد مصيرهم السياسي، رغم أن دستور الوحدة اليمنية قد تم الاستفتاء عليه من قبل الشعب اليمني على مستوى الجمهورية كلها. وقد دفعني هذا السؤال إلى كتابة هذه الأسطر القليلة رغم إدراكي أن الموضوع بالغ الأهمية، ويحتاج إلى نقاش واسع ومشاركة جادة من رجال الفكر والسياسة والقانون والدبلوماسية، لما له من أبعاد تتعلق بمستقبل اليمن ووحدته واستقراره، وبما يضمن التعبير المشروع عن إرادة المواطنين في مختلف أنحاء البلاد.

من الناحية القانونية، لا بد من التمييز بين حق المطالبة السياسية ووجود حق دستوري قائم، فالاستفتاء على دستور الجمهورية اليمنية تم على مستوى الدولة كلها باعتبارها وحدة سياسية وقانونية واحدة، ومن هذا المنطلق يرى كثير من فقهاء القانون الدستوري أن أي تعديل جوهري يتعلق بشكل الدولة أو وحدتها أو سيادتها يجب أن يتم وفقًا لإجراءات دستورية متفق عليها، وعلى نطاق وطني شامل، وليس من خلال قرار يصدر عن جزء من أجزاء الدولة فقط. ومع ذلك فإن المطالبة السياسية بإجراء استفتاء تبقى حقًا مكفولًا في إطار حرية التعبير والعمل السياسي السلمي، ولا يمكن اعتبار مجرد طرح الفكرة أمرًا مخالفًا للقانون.
أما من منظور القانون الدولي فإن مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها يعد من المبادئ الراسخة والمعترف بها دوليًا، غير أن تطبيق هذا المبدأ يختلف من حالة إلى أخرى، ولا يعني بالضرورة حقًا تلقائيًا في الانفصال أو إنشاء دولة مستقلة، فالمجتمع الدولي يميل في الغالب إلى دعم الحلول السياسية التي تحقق المشاركة والعدالة والاستقرار داخل الدولة الواحدة قبل الانتقال إلى خيارات أخرى أكثر تعقيدًا، كما أن الاعتراف الدولي بأي وضع سياسي جديد لا يعتمد فقط على الإرادة المحلية، بل يرتبط أيضًا باعتبارات قانونية وسياسية وإقليمية ودولية متعددة.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل التطورات السياسية المتسارعة التي تشهدها الساحة اليمنية، فقد حملت كلمة مندوب بلادنا لدى الأمم المتحدة أمام مجلس الأمن رسائل سياسية وقانونية لافتة عندما اتهم رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي بعرقلة العملية السياسية وتقويض مؤسسات الدولة وتهديد السلم والاستقرار، كما أشار إلى أن مؤسسات الدولة اتخذت إجراءات بحقه بوصفه متهمًا بجريمة الخيانة العظمى وفقًا لما أعلنه الجانب الحكومي، وطالب مجلس الأمن بتحديث قوائم العقوبات لتشمل الأفراد والكيانات التي يثبت تورطها في تقويض العملية السياسية أو تهديد وحدة اليمن واستقراره. وتعكس هذه المواقف حجم التباعد القائم بين مختلف القوى السياسية، كما تؤكد أن قضية الجنوب باتت جزءًا من معادلة سياسية وقانونية ودبلوماسية معقدة تتجاوز حدود الخلافات المحلية.
ومن الناحية الدبلوماسية فإن أي حوار جنوبي جنوبي ينجح في توحيد الرؤية والموقف السياسي، يمثل خطوة مهمة في بناء موقف تفاوضي أكثر تماسكًا، غير أن ذلك لا يكفي وحده لمنح أي استفتاء مشروعية قانونية أو اعترافًا دوليًا، فالتجارب الدولية تؤكد أن مثل هذه القضايا تنجح عندما تكون جزءًا من تسويات سياسية شاملة، وتحظى بتوافقات داخلية وضمانات إقليمية ودولية كافية، ولذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتمثل فقط في ما إذا كان من حق الجنوبيين المطالبة باستفتاء، بل في الكيفية التي يمكن من خلالها الوصول إلى صيغة عادلة ومشروعة تعبر عن إرادة المواطنين، وتحافظ في الوقت نفسه على الاستقرار، وتجنب البلاد مزيدًا من الصراعات والانقسامات، وهو ما يجعل الحوار المسؤول والاحتكام إلى القانون والحكمة السياسية الطريق الأمثل لمعالجة هذه القضايا الحساسة.