القعقاع.. شهيد لقمة العيش وضحية واقعٍ صنعه الآخرون

القعقاع لم يكن باحثاً عن الموت، ولم يُلقِ بنفسه إلى التهلكة استهانةً بحياته أو استخفافاً بمصيره، بل كان واحداً من عشرات الآلاف من اليمنيين الذين دفعتهم قسوة الظروف إلى خوض معركة يومية من أجل البقاء. لقد خرج يبحث عن لقمة عيشٍ كريمة تحفظ له ولأسرته الحد الأدنى من الحياة، بعد أن ضاقت السبل وانعدمت الفرص في وطنٍ أنهكته الحروب والأزمات والحصار.
ولو لم تكن بطون أحب الناس إلى قلبه تنتظر منه ما يسد رمقها، ولو وجد في وطنه فرصة عملٍ تحفظ كرامته وتكفي حاجته، لما غامر، ولما وضع نفسه في مواجهة أخطار قد تنتهي بمآسٍ موجعة كهذه. فالإنسان بطبعه يتشبث بالحياة، لكنه قد يجد نفسه مضطراً إلى طرق أبواب لم يكن ليفكر فيها لو توفرت له أبسط مقومات العيش الكريم.
ومن الظلم أن تُقرأ قصته بمعزل عن السياق الذي أنتجها. فاليمنيون لم يغادروا أوطانهم حباً في الغربة، ولم يركبوا المخاطر طلباً للمغامرة، وإنما دفعتهم ظروف قاهرة صنعها واقع طويل من التجويع والإفقار وتعطيل فرص التنمية وتدمير مقومات الاقتصاد. وحين يُحاصر الوطن وتضيق سبل الرزق، تصبح الهجرة والبحث عن العمل والمجازفة بقطع المسافات وركوب الأخطار خياراً اضطرارياً لا ترفاً اختيارياً. وقد وجد بعضهم أنفسهم عالقين في أتون صراعات وحروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، كما حدث مع الذين تقطعت بهم السبل وأقحموا في الحرب الروسية الأوكرانية.
لذلك فإن القعقاع لا يمثل قصة فردٍ فحسب، بل يختزل معاناة شعبٍ بأكمله وجد نفسه عالقاً بين حب الوطن ومتطلبات البقاء. وهو، في نظر الكثيرين، شهيد لقمة العيش، ورمزٌ لمعاناة الإنسان الذي دفع ثمن ظروف لم يصنعها بيده، وإنما فرضتها عليه تعقيدات الواقع وتقلبات السياسة ومآسي الحروب.
أما ما كان في قلبه من نوايا ومقاصد، وما حمله من آمال لأهله وأسرته، فذلك مما استأثر الله بعلمه. والله سبحانه أعلم بعباده، وأرحم بهم من الناس، وهو الحكم العدل الذي لا يضيع عنده جهد مخلص ولا معاناة مظلوم.
رحم الله القعقاع، وجعل قصته تذكرةً بحجم المأساة التي يعيشها اليمنيون بين الحياة والموت، وهم يسعون وراء لقمة العيش في زمنٍ أصبح فيه الحصول على أبسط الحقوق معركةً شاقة. ومن أشد ما يبعث على الألم أن يظل اليمن، بما يمتلكه من تاريخ وموارد وإنسان، غارقاً في الفقر والمعاناة، بينما يعيش أبناؤه رحلة بحثٍ مستمرة عن الكرامة والأمان وفرص الحياة الكريمة.
برلماني وسفير سابق
