لماذا لم تنتشر كرة القدم العالمية في الولايات المتحدة؟!
كرة القدم العالمية Soccer وكرة القدم الأمريكية The American Football:
نرحب بكم وبكأس العالم 2026م في أمريكا الشمالية، ولكن عليكم أن تعلموا جيدًا أن كرة القدم العالمية التي يعرفها العالم لا ولم تعترف بها شعبيًا الولايات المتحدة كرياضة لها مكانتها رغم أنها اللعبة الأولى الشهيرة لدى دول جيرانها الجنوبيين أمريكا اللاتينية، إلا بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان في العام 1984م، أن على الـUSA أن تهتم بريأين وهما كرة القدم Soccer كرياضة والرياضيات Math، وذلك لمنافسة الاتحاد السوفيتي في كليهما، وكان ذلك الخطاب أثناء استضافة الولايات المتحدة للألعاب الأولمبية التي أقيمت في لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا في نفس العام.

لهذا مازال الطريق طويلًا إلى الدفع بكرة القدم العالمية بأمريكا، فعمر أنديتها بأمريكا لا يتجاوز الـ45 عامًا، ومازال الوصول غير مكتمل، بخاصة إلى مصاف الرياضات الأخرى كالسلة Basketball والبيسبول Baseball، والأهم منهما هي رياضة كرة القدم الأمريكية The American Football ذات الشعبية الجارفة، والتي يتم الاهتمام بها في المدارس ابتداء من المرحلة الابتدائية إلى الجامعية التي تتنافس بها الجامعات، وتقسم إلى فرق إقليمية College Leagues، ومن ثم إلى البطولات بين الأقاليم، وبعدها يتم فرز وانتقاء الصفوة منهم إلى الفرق الكبرى، بلبسها المميز وتجهيزاتها المعدة للسلامة، رغم مواجهات تصادماتها العنيفة وقوانينها وكرتها البيضاوية الشكل المختلفة، والتي يقال بأن طولها ككرة قدم foot واحد، ويجادل البعض بأنها سميت تبعًا لذلك، لأنها تلعب في أغلب وقتها باليد، ولا تستخدم قدم الساق لركل الكرة إلا عند البدايات بعد الوصول للتهديف لتبدأ اللعبة من جديد، أو عند تهديف النقطة السابعة الإضافية، وهي الرياضة التي يختلف تخطيط ملعبها واستراتيجيات لعبها وقوانينها وكيفية أدائها وعدد ترساناتها والتبديل المستمر للاعبين حسب الموقف، والتي تبرز الثقافة الأمريكية للقوة، وتعكس بعرفها فلسفة البقاء للأفضل بعنفوانها المحكمة بقواعد اللعبة التي يصعب على معظم الزوار والوافدين فهمها أو استيعابها من أول وهلة.

وهذه الفرق الرياضية المهنية Professional Leagues التي بدورها ودورياتها البطولية تتنافس فيها المدن الأمريكية، وتستثمر بها بالملايين في شراء اللاعبين وببلايين الدولارات في بناء الملاعب الضخمة باهظة التكلفة، وعالية المردود لمالكي هذه الفرق ولبلديات المدن.
السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا لم تنتشر لعبة كرة القدم الدولية الـSoccer في أمريكا؟
والجواب هو صحيح أن اللعبة انتشرت في بريطانيا ومن ثم فرنسا في القرن التاسع عشر، أيام بعد استقلال أمريكا، فأمريكا كانت بعيدة عن جغرافيا العالم ولسنين طويلة، بل ومنعزلة عن معظم الثقافات الأوروبية الأحادية، إلا أنها بتشكيلتها السكانية كانت خليطًا فسيفسائيًا من تلك الخلفيات والثقافات الأوروبية المنصهرة في العالم الجديد الأمريكي غير المتجانس، ولم تحب أن تنقل أو تتقبل نفس الأفكار الاستعمارية، إلا بعض الأفكار البناءة، ومنها الحرية. وصحيح أن هناك رابطة الدم بين الأوروبيين والمستوطنين الأمريكيين الجدد، وكان هذا من وجهة النظر البريطانية يشكل رابطة الدم، إلا أن الأمريكان أخذوا بالنزعة الاستقلالية الكاملة، ووجدوا أنفسهم بمنأى عنهم، واعتبرتهم بريطانيا بمثابة طفل شب عن الطوق، فتمرد على والديه.
أما السبب الثاني والأساسي فهو أن بعض المستوطنين أرادوا إعادة إحياء اللعبة أو رياضة كرة القدم الأوروبية العالمية اليوم، إلا أن اللعبة لم تجد لها من الشعبية إلا بشكل محصور ومحدود، وما وجود الفرق للمنتخبات الأمريكية في كؤوس العالم منذ بداية القرن العشرين، إلا عبارة عن تجميع منتقى للمهارات الفردية وتأطيرها في فريق قومي بعكس اليوم، والذي تتواجد فيه أندية أمريكية لكرة القدم العالمية في بعض الولايات. والأمر من ذلك أنها ولعشرات السنين لم تجد من يستثمر من الأغنياء أو رجال الأعمال فيها، وذلك لطبيعة استمرارية لعبها وبدون فواصل أو توقعات ولمدة لتسعين دقيقة، ولا توجد راحة بين الشوطين إلا لمدة 15 دقيقة،، أي يصعب على رجال الأعمال الذين يريدون أن يرعوا هذه الرياضة إتاحة فرصة لوضع دعايتهم أو إعلاناتهم التجارية إلا بين الشوطين، فالفترة تعتبر قصيرة جدًا ولا تسمح بالإعلانات أو الدعاية إلا لمرة واحدة، وهذا هو مربط الفرس الذي جعلهم يحجمون عن تشجيع اللعبة، فرجال الأعمال في الرأسمالية يعرفون أن التسويق يبدأ من انتشار المعلومات عن السلعة أو الخدمة التي يودون إيصالها، وأيضًا المحدثين من رواد الأعمال ومخططي البرامج الإعلامية والإرشادية يعون بتأثير كل من وسائل الإعلام الجماهيرية والتواصل الاجتماعية لاحقًا، وبخاصة بعد انتشار السينما أولًا والتلفاز ثانيًا لعرض منتجاتهم، فتم التعاون مع بعض المشاهير ورواد الإعلام على اختراع وقوننة رياضة مختلفة توجد فيها فواصل زمنية عديدة لبث إعلاناتهم بين الآونة والأخرى، ولعدة مرات، للتأثير على المشاهدين المستهلكين. وكانت هذه هي الوسيلة الوحيدة الفعالة لبث حملاتهم بدلًا من الإعلان في الصحف والمجلات محدودة الانتشار، وقد تم الإعداد والترتيب ووضع القواعد المبدئية والقانونية لهذه اللعبة، وأن تستمر لمدة ساعة كاملة مقسمة على 4 أشواط؛ 15 دقيقة لكل شوط، وكل شوط يمكن فيه التوقف من 10 إلى 15 مرة خلال هذا الشوط، حيث يتم في هذه التوقفات بث الإعلانات التجارية والدعائية ولعدة مرات. ولهذا يمكن للمباراة الواحدة أن تستمر أكثر من 3 ساعات، تكسب فيها الدور السينمائية والمحطات التلفزيونية الشهرة، ويدفع فيها أصحاب الأعمال أموالًا طائلة مقابل تلك الإعلانات، والتي تصل مبالغها إلى 10 ملايين دولار لبث إعلان لأقل من دقيقة، وبخاصة خلال أوقات ذروة المباراة التي يشاهدها الملايين من السكان المستهدفين، ومردوده أكبر مما أنفق عليها، وبفعل ذلك التخادم التسويقي والتمويلي تم الاستثمار أيضًا في اللاعبين والملاعب، وتطورت مع الزمن قوانين اللعبة، وأصبحت أكثر انضباطًا وتحكيمًا، وبفعل دخول الإعلام الرياضي وشبكات التلفزة والهيئات الرياضية المنظمة وقنوات التلفزة المتخصصة وبقوة الإنترنت أيضًا وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، أصبحت اللعبة هي الأكثر شعبية ومشاهدة في كل المناسبات.

وتحاول هذه اللعبة أيضًا أخذ مكانها في كندا وأمريكا اللاتينية نتيجة للتقارب الجغرافي والتأثير للثقافة الأمريكية، كما تحاول أن تجد لها موطئ قدم في الدول الأوروبية التي أقلمت نفسها وثقافتها غالبًا على كرة القدم العالمية وليس الأمريكية.
فأرجو ألا تقع في الخطأ الشائع القاتل وأنت في أمريكا، وتتحدث ببراءة عن كرة القدم العالمية، وتقول كرة قدم، لأنك ستجد الكثير يوقفك عند حدك، ويصحح مفهومك بأن تلك هي السوكر Soccer، وليست كرة القدم ذات الفكرة الأمريكية، والتي هي The American Football حصريًا.
فيرفاكس فرجينيا
