الأحد 14 يونيو 2026

أزمة التغيير أم أزمة النموذج؟

على امتداد العقود السبعة الماضية، شهدت اليمن والعالم العربي محاولات متعددة للتغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي. بعضها جاء عبر الثورات، وبعضها عبر الانقلابات أو برامج الإصلاح أو مشاريع التحديث والتنمية. غير أن حصيلة هذه التجارب تكشف أن كثيرًا من الأهداف المعلنة لم تتحقق بالصورة التي كانت مأمولة، وأن مسارات التحول كثيرًا ما اصطدمت بعوائق أدت إلى التعثر أو الإخفاق أو الانحراف عن غاياتها الأصلية.

ومن هنا يبرز سؤال جوهري: لماذا أخفقت محاولات التغيير في تحقيق أهدافها كاملة؟ وهل كان الخلل في الأدوات والوسائل، أم في طبيعة النماذج التي جرى تبنيها، أم في البيئة التي أُريد للتحول أن يتحقق داخلها؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقود إلى تساؤل أكثر عمقًا يتعلق بطبيعة التغيير ذاته. فما نوع التغيير الذي كنا وما زلنا ننشده؟ وما النموذج الذي يمكن أن يشكل إطارًا مناسبًا لتحقيقه؟ وهل كان التغيير استجابة لحاجات داخلية نابعة من المجتمع وتعبر عن وعيه وتطلعاته، أم أنه جاء استجابة لتأثيرات خارجية وضغوط أو نماذج مستوردة، أم أنه نتاج تفاعل بين العاملين معًا؟

تبدو هذه الأسئلة للوهلة الأولى بسيطة، لكنها في حقيقتها تلامس واحدة من أعقد القضايا المرتبطة ببناء الدول وتطور المجتمعات. فالتغيير ليس مجرد قرار سياسي أو رغبة جماعية عابرة، بل عملية تاريخية مركبة تتداخل فيها عوامل عديدة؛ منها ما هو ذاتي يرتبط بالإنسان والثقافة والوعي، ومنها ما هو موضوعي يتعلق بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، ومنها ما يرتبط بالسياق التاريخي والجغرافي والعلاقات الإقليمية والدولية.

ولعل إحدى الإشكاليات التي رافقت كثيرًا من مشاريع التحول تتمثل في البحث عن حلول سريعة لقضايا معقدة، أو الاعتقاد بأن استنساخ تجارب الآخرين كفيل بتحقيق النتائج نفسها. غير أن التجارب الإنسانية تؤكد أن نجاح أي نموذج يظل مرهونًا بمدى قدرته على التفاعل مع خصوصيات المجتمع الذي يُراد تطبيقه فيه، ومدى استناده إلى فهم عميق للواقع بدل الاكتفاء بالشعارات أو التصورات النظرية المجردة.

كما أن التغيير لا يقاس فقط بقدرته على إسقاط واقع قائم، بل بقدرته على بناء واقع جديد أكثر استقرارًا وكفاءة وعدالة. فالهدم قد يتحقق في فترة قصيرة، أما البناء فهو عملية طويلة تتطلب توافقًا مجتمعيًا ورؤية واضحة ومؤسسات قادرة على تحويل الأفكار إلى سياسات وممارسات مستدامة.

إن أهمية إثارة هذه التساؤلات لا تكمن في البحث عن إجابات نهائية بقدر ما تكمن في إعادة فتح النقاش حول قضية التغيير بوصفها قضية مركزية في حاضرنا ومستقبلنا. فالمشكلة لا تتمثل في غياب الرغبة في التغيير، بل في فهم طبيعته وشروط نجاحه وحدود النماذج المطروحة لتحقيقه.

ولهذا فإن الحاجة تبدو ملحة اليوم إلى مراجعة هادئة وعميقة لتجارب العقود الماضية، بعيدًا عن الأحكام المتسرعة أو القراءات الاختزالية. فالتغيير الحقيقي يبدأ من القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة وفهم الواقع كما هو، ثم البحث عن نموذج يستمد شرعيته من حاجات المجتمع وتطلعاته لا من إغراءات التقليد أو رهانات اللحظة العابرة.

إن أزمة التغيير في اليمن والعالم العربي لم تكن في غياب الرغبة في الانتقال إلى واقع أفضل، بقدر ما كانت في طبيعة النماذج التي جرى تبنيها وآليات تطبيقها. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن التغيير لا ينجح باستعارة الحلول الجاهزة، وإنما ببناء نموذج وطني يستند إلى خصوصية المجتمع ويعبر عن حاجاته الفعلية. وعندما يصبح هذا الإدراك جزءًا من الوعي العام، يتحول التغيير من شعار سياسي إلى مشروع قابل للحياة والاستمرار.