الأحد 14 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • الغباء السياسي: آفة النخب العربية

الغباء السياسي: آفة النخب العربية

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشابك المصالح الدولية، تبرز ظاهرة "الغباء السياسي" كأحد أخطر التحديات التي تواجه الساحة العربية. إنها ليست مجرد قلة حنكة أو ضعف تجربة، بل حالة مركبة من العمى السياسي والانفصال عن الواقع تجعل صانع القرار العربي - سواء كان حاكماً أو معارضاً - يندفع نحو تكرار الأخطاء ذاتها، متوقعا نتائج مختلفة، وهذا تحديدا ما يعرف بالجنون.

ما يثير الدهشة حقا هو أن هذه الظاهرة لم تعد حكرا على طرف دون آخر، بل إنها تمتد كالوباء لتصيب مختلف التيارات والأطراف. فمن يدّعي أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، ومن يصر على رؤية المؤامرة في كل حدث، ومن يعتقد أن خصمه غبي أو ضعيف، كل هؤلاء يجمعهم قاسم مشترك واحد هو العجز عن ممارسة السياسة كفن للممكن، والوقوع في فخ المطلقات والثوابت الجامدة.

والأخطر من ذلك أن هذا الغباء السياسي يتحول إلى سلاح فعال في أيدي القوى الأقليمية، التي تستغله لتنفيذ مخططاتها دون عناء. إنها الحرب من الجيل الرابع بامتياز حيث يتمكن الخصوم إيجاد الخلافات المذهبية - سنة شيعة- أو بالأصح نواصب ورافض، وتجعل كل دولة من مذهبها أداة لتحقيق أهدافها، تحت شعار نشر الوعي الديني ، وهذا ما يسمى بتزييف الوعي حيث يقوم رجال الدولة بتسيس الدين. تحت شعار الدفاع عن قضايا الدين والوطن ويظنون انهم بإشهار الخطاب المذهبي أو السلالي يحسنون صنعا.

إن قراءة علامات هذا الغباء ليست مجرد تشخيص نظري، بل هي مرآة يجب أن ننظر فيها جميعا. فالغباء السياسي ليس صفة لازمة لطرف دون آخر، بل هو مرض يمكن أن يصيب أي جماعة أو شعب حين يتوقفون عن المراجعة النقدية الذاتية، وحين يغلقون آفاق الحوار مع المخالف، ولا يقبلون الرأي المخالف وحين يستبدلون السياسة بالانفعال، والحكمة بالعناد.

لعل أكثر العلامات إيلاما هي فقدان القدرة على الاعتذار، والإصرار على المكابرة، حين ترتكب أي جماعة تصرفا ارعنا يؤدي إلى خسائر تطال البشر والشجر والحجر، ويظل اعلامهم يحول تلك الهزائم إلى انتصارات ، فكم من أزمات تفاقمت، وكم من دماء أريقت، لأن طرفاً سياسياً فضل التمسك بموقف خاطئ على الاعتراف بالخطأ؟ وكم من فرص سلام ضاعت لأن أحدهم أراد جني كل المكاسب وتكبيد الطرف الآخر كل الخسائر؟

إن السياسة، في جوهرها، فن إدارة الصراع والاختلاف. وهي تتطلب تواضعا معرفيا يدرك به صاحب القرار أن رؤيته ناقصة، وأن الحقيقة موزعة بين الأطراف، وأن التنازل ليس ضعفا بل قوة. حين يغيب هذا التواضع، وتحل محله النرجسية والتمحور حول الذات، تصبح السياسة مجرد مسرحية عبثية يؤدي فيها الجميع أدوارا معلنة سلفا، بينما الجمهور الحقيقي أي الشعب يدفع الثمن.

إن علاج هذا الغباء السياسي يبدأ من خطوة واحدة بسيطة في ظاهرها، صعبة في حقيقتها أن ننظر إلى أنفسنا في المرآة قبل أن نتهم الآخرين. أن نسأل أنفسنا بصدق: هل نستخدم الدفاعات النفسية التي نتهم بها خصومنا؟ هل نعاني من العمى السياسي الذي نراه عند غيرنا؟ هل نستطيع سماع النقد وتقبل المراجعة؟

بدون هذه المراجعة الجريئة، ستبقى الساحة العربية مسرحاً للغباء السياسي بكل تجلياته، وسيظل العالم الخارجي يشاهد باستمتاع كيف يحارب بعضنا بعضاً، بينما يتحقق مراده على أرضنا دون أن نرفع إصبعاً.