الأحد 14 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • مكافحة الفقر والتنمية المستدامة: أهداف مشتركة للهيئة العامة للزكاة ومؤسسة جرامين يمن

مكافحة الفقر والتنمية المستدامة: أهداف مشتركة للهيئة العامة للزكاة ومؤسسة جرامين يمن

يواجه اليمن أزمة وإنسانية كارثية وظروفا اقتصادية صعبة، فحسب تقارير الأمم المتحدة هناك قرابة 80% من السكان بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وهذا يعني أن سنوات الحرب المدمرة أدت إلى اتساع دائرة الفقر والبطالة وتراجع مؤشرات التنمية المستدامة وخاصة في جوانب التعليم والصحة. في ظل هذه التحديات، لم يعد الاعتماد على المساعدات الإغاثية الطارئة كافياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي للمجتمعات المحلية. فهناك حاجة ملحة للانتقال من "الإغاثة إلى التمكين"، وهو الهدف المشترك الذي تلتقي عنده كل من: الهيئة العامة للزكاة (بما تملكه من موارد مالية شرعية وسيادية موجهة نحو التمكين الاقتصادي للفقراء)، ومؤسسة "جرامين يمن" (بما لديها من خبرة فنية ومنهجية عالمية مجربة في مجال التمويل الأصغر ومكافحة الفقر).

أهداف مشتركة

تكمن أهمية الشراكة بين هيئة الزكاة وجرامين يمن في تكامل الأدوار والقدرات لتحقيق أهداف التنمية المستدامة التي اعتمدتها الأمم المتحدة حتى عام 2030 (خاصة الهدف الأول: القضاء على الفقر، والهدف الثامن: العمل اللائق ونمو الاقتصاد)،

فالهيئة العامة للزكاة تمثل المؤسسة السيادية المسؤولة عن جمع وتوزيع الزكاة وفقاً للمصارف الشرعية الثمانية، مع التركيز الحديث على البُعد التنموي والمستدام لتلك الأموال. ويمكن الوصول إلى هذه الغاية من خلال عددٍ من الأهداف الاستراتيجية، تشمل: إقامة ركن الزكاة وتوعية المجتمع بأهميته وأثره الاقتصادي والاجتماعي، والحد من معدلات الفقر والعوز عبر تقديم الدعم العاجل والمستدام للفئات الأشد احتياجاً، ونقل الأسر الفقيرة من حالة الاحتياج والاتكال على المساعدات إلى حالة الاكتفاء الذاتي والإنتاج، وتعزيز الاستقرار والسلم المجتمعي عبر تقليص الفجوة الطبقية وتلبية الاحتياجات الأساسية للمجتمع. ولتحقيق هذه الأهداف لا بد على الهيئة أن لا يقتصر عملها في تقديم المساعدات النقدية والغذائية الدورية للفقراء والمساكين وغيرهم، بل يتطلب الأمر القيام بتمويل وتأسيس مشاريع إنتاجية صغيرة (صناعية، زراعية، تجارية) وتمليكها للأسر الفقيرة لضمان دخل مستدام.

وبالمقابل، فإن مؤسسة "جرامين يمن" تأسست عام 2020 كامتداد محلي لمنهجية "بنك جرامين" العالمي في بنجلاديش (الذي أسسه البروفيسور محمد يونس والحائز على جائزة نوبل للسلام)، وهي متخصصة في تقديم حلول التمويل الأصغر والتنمية الريفية. ونطاق عمل المؤسسة الحالي في محافظة الحديدة يغطي أربع مديريات (الزهرة، القناوص، اللحية، الزيدية) والأمل أن يتوسع نشاط المؤسسة في كل منطقة تهامة ويمتد إلى المديريات الريفية في المحافظات الأخرى،

وللمؤسسة أهداف استراتيجية أهمها: استهداف الأفراد والأسر الأكثر فقراً وتهميشاً في المجتمع، والذين لا يمكنهم الوصول إلى خدمات البنوك التجارية التقليدية، وتعزيز الدور الاقتصادي للمرأة الريفية والشباب العاطلين عن العمل عبر دمجهم في الدورة الاقتصادية، وكسر حاجز الخوف لدى الفقراء وتنمية قدراتهم على إدارة وتطوير مشاريعهم الخاصة، إضافة إلى تنمية المجتمعات المحلية والريفية من خلال الاستثمار في مهارات أبنائها ومواردها الذاتية.

وللمؤسسة مجالات عمل متنوعة تشمل: تقديم تمويلات صغيرة وقروض ميسرة (قروض حسنة) تعتمد على "الضمان الجماعي" والثقة المتبادلة بدلاً من الرهون العقارية أو الضمانات التجارية، وتقديم برامج تأهيلية مكثفة للمستفيدين في الجوانب الإدارية والمالية والفنية الخاصة بمشاريعهم قبل وأثناء فترة التمويل، مع التركيز على بناء قدرات المرأة الريفية، وتنظيم المستفيدين في مجموعات صغيرة لتبادل الخبرات وتوفير الدعم والرقابة المتبادلة، مع عقد اجتماعات دورية لضمان الالتزام ومتابعة سير المشاريع، إضافة إلى تقديم مساعدات وبرامج مصاحبة للتمويل تشمل مجالات الصحة والتعليم والبيئة، لضمان حياة كريمة وتحسين مستوى المعيشة للأسر المستفيدة.

أهمية الشراكة

واضح أن هناك أرضية مشتركة بين هيئة الزكاة ومؤسسة جرامين يمن، مما يستدعي قيام شراكة استراتيجية بينهما، لتنفرد اليمن في تقديم نموذج يحتذى في الدمج بين "الموارد الشرعية" مع "الآلية والمنهجية"، وتكامل الأدوار بينهما، فهيئة الزكاة توفر التمويل المستدام لتمكين الفقراء والمساكين، بينما تتكفل "جرامين يمن" بالآلية التنفيذية والخبرة الميدانية في إدارة القروض والتمويلات دون إثقال كاهل المستفيدين، كما أن الهيئة تهدف إلى إخراج الفقير من دائرة الفقر، وهي ذات المنهجية التي تجيدها جرامين يمن، مما يضمن تحويل الأسر المستهلكة إلى أسر منتجة ومكتفية ذاتياً، إضافة إلى أن مؤسسة جرامين لديها القدرة على تنفيذ برامجها في المجتمعات الريفية والوصول إلى النساء والشباب، مما يعين الهيئة على إيصال سهم الفقراء والمساكين إلى الفئات الأشد احتياجاً بكفاءة تنظيمية عالية وبأقل تكلفة تشغيلية، كما أن إدماج أموال الزكاة مع آليات التدوير المالي التي تقوم بها جرامين يمن يضمن استمرارية الموارد المخصصة للمشاريع واستدامتها، حيث تعود الأموال المستردة لتمويل مستفيدين جدد وهكذا، وفي هذا الجانب يمكن الاستفادة من بعض التجارب الناجحة في الدول الإسلامية للدمج بين أموال الزكاة ومؤسسات التمويل الأصغر، مثل تجارب ماليزيا وبنجلاديش،

وإجمالا، فإن الشراكة بين هيئة الزكاة ومؤسسة جرامين يمن ليست مجرد تنسيق إداري، بل هي ضرورة استراتيجية لابتكار نموذج يمني أصيل لمكافحة الفقر، يدمج بين الواجب الشرعي والمنهجية العلمية والتنموية الحديثة. ولضمان نجاح هذا النموذج، يتطلب الأمر قيام الحكومة بإصدار القانون الخاص بإنشاء بنك جرامين يمن، أو بنك الفقراء حتى يتمكن من توسيع نشاطاته، بشكل قانوني وسليم، في بقية المحافظات، والدخول في شراكات إستراتيجية مع هيئة الزكاة ومع مؤسسات تمويل أخرى، داخليا أو خارجيا، وليصبح أداة فعالة في الحد من الفقر والبطالة في المناطق الريفية والنائية،