افتتاحية «اليمن الجديد» عدد سبتمبر 1975
منذ أربعةَ عَشرَ عامًا؛ وهذا اليوم -يوم السادس والعشرين من سبتمبر؛ من كُلِّ عام- يَغمرُ بلادنا ذكراه العطرة، وَيَجيء كُلَّ عام إمَّا بَاكيًا، أو ضَاحكًا، ولكنه يُلقِي عَلينا سُؤالًا يُؤرِّق ضَمائِرنَا طِيلةَ ثلاثمائة وخمسة وستين يومًا.
ويَكبُر كُلَّ يَوم، وَكُلَّ سَاعَة، وثانية، الهَمُّ العظيم لبسطاء بلادنا؛ مُحَاولًا الإجابة على هذا السُّؤال الذي طَرحَهُ «البيان الأول لمجلس قيادة الثورة». ورغم العواصف الرَّجعِيَّة، والعقبات، والصُّعوبات؛ فَإَّن سَفائنَ سبتمبر ماتزال تمخر عُبَاب الثَّورة؛ للوصول إلى شواطئ الديمقراطية، والتقدم، والعدل الاجتماعي: الأهداف الاستراتيجية لبيانها التاريخي.
وَالسُّؤال الذي يطرحُهُ سبتمبر هذا العام مُختلف إلى حَدٍّ مَا. فَإذا كاَنَ سُؤالُنَا السَّابق يَنمُّ عن التفجع والقلق على مصير مبادئ وأهداف الثورة؛ في ظِلِّ الانحراف الرَّجعي، وَالفَساد الشَّامل، والارتداد، فَإنَّ السُّؤالَ هذا العام؛ وبعد إعادة الاعتبار لسبتمبر، وإعادة مجرى الثورة في الاتجاه الصائب والطبيعي، هو: من أين نبدأ؟
وإذا كان بيان وأدبيات «13 يونيو» قد حَدَّدَت الإجابة على هذا السُّؤال، وَوَضَعت النِّقَاط على الحُروف في ضرورة العودة إلى سبتمبر، وبناء الدولة المركزية العصرية، والتطهير الشَّامل للأوضاع، وَاستطاعت -على الصعيد العملي- أن تُحَقِّقَ بعض المهام الوطنية والديمقراطية، واتخذت قرارات سياسية ذات مغزى اجتماعي وحضاري، وَأنشَأت بعض الوزارات على أسُس عَصريَّة؛ كَمَا عَمِلَت على إبراز الوجه الحقيقي للشخصية اليمنية.
وَقَطعت «التعاونيات» شَوطًا في تحقيق الخدمات الأساسية في الرِّيف اليمني؛ فَسَاعَدَت على بناء المدارس الابتدائية، وربط بعض القُرَى بالمدينة، وتوفير المياه النَّقيَّة، وعملت على تحقيق قَدر مُعيَّن من تعاون أجهزة السُّلطة مع المواطنين في محاربة التخلف والقهر والعمل مَعًا على تحقيق البرامج الإنمائية والخدمات العامة؛ وهي ظاهرة فريدة في بلادنا يتوجب دفعها دَائمًا إلى الأمام، وربطها بالإنتاج، وإعادة استصلاح الأراضي الزراعية البُور والصوافي بواسطتها، ووضع اللوائح والخطط التي تكفل نجاحها وتطورها.
وعلى صعيد الإصلاح؛ فقد تشكلت اللجان الأساسية والفرعية التي شملت المرافق، والمحافظات، وأجهزة السُّلطة الإدارية، وَأنشَأت المحكمة التأديبية والنيابة المالية، ولكن هذه الأجهزة ماتزال في مراحلها المبكرة، والمهام الملقاة على عاتقها ليست بالبسيطة.
إنَّ هذه الإجراءات التصحيحية هي التي حددت طبيعة العلاقة بين «26 سبتمبر»، و«13 يونيو»؛ ولن يتأتى فهم الطبيعة الاجتماعية ليونيو بدون مراجعة شاملة لخلفيتها السبتمبرية، والمجرى العام للثورة.
إنَّ الثالث عشر من يونيو لم تكتسب هويتها الوطنية والديمقراطية إلا عبر التأكيد على مبادئ وأهداف الثورة، والسير في طريقها بحزم وثبات، وَأنَّ قراءة سريعة للخارطة السياسية والاجتماعية والثقافية لليمن الجديد، سَوفَ تُحَدِّد لنا المَدَى الذي قطعته بلادنا في نضالها العام على درب إنجاز مهامها الوطنية، ووضع أساس مادي لتحقيق تحررها السياسي والاقتصادي، وإرساء دعائم دولتها الوطنية المتقدمة.
فعلى الصعيد السياسي؛ فبرغم الانتكاسات المُروِّعَة التي تَعَرَّضَت لها الثورة، وتعاظم حركة المَدّ الرَّجعِي التي كادت أن تعصف بها، إلا أنَّ التطور العام للأوضاع، وارتفاع الوعي الجماهيري، واتساع حجم الفئات والطبقات الثوريَّة، وتزايد دورها في الحياة العامة؛ إضافةً إلى الخلافات المريرة التي مَزَّقَت القناع للقوى التقليدية، كُلّ ذلك فَوَّتَ الفرصة على أعداء التقدم، ولم تكن حركة 13 يونيو التصحيحية إلا تعبيرًا عن هذا الانتصار، وَتأكيدًا عليه.
ومن هنا؛ فَإنَّ أحلام الاستعمار في عزل بلادنا عن حركة التحرر الوطني العالمية، وإسقاطها من خارطة «عدم الانحياز»، قد خابت. وليس أدلَّ على ذلك من خطاب الأخ الرئيس المقدم إبراهيم محمد الحمدي في «المؤتمر الخامس لعدم الانحياز»؛ المنعقد في كوالالمبو.
وَاجتماعيًّا: فَإنَّ القوى القديمة في المجتمع، والتي شَكَّلَت طَابورًا خَامسًا في صَفِّ الثورة والقوى الجمهورية؛ فـ«صَلَّتْ مَع عَلي، وَتَغدَّت مع معاوية»، قد سَقَطَت سِياسيًّا في يومٍ مَشهود من أيام 13 يونيو التصحيحية، وفقدت مكانتها في قِمَّة الهَرَم الاجتماعي، وجهاز الدولة؛ رغم احتفاظها بموقعها الاقتصادي.
وهذه القوى كانت تصفيتها أحد الأهداف الرئيسية للثورة السبتمبرية، ولكن بقاء موقعها الاجتماعي قد أتاحَ لها حرية الاستمرار في نسج أحلامها المأفونة؛ للعودة للحياة السياسية، وتبوؤ الذروة التي لم تُخلَقْ إلا لها!
وهي -كَكُلِّ القُوَى القديمة والرجعية- لا تتورع عن استخدام كُلِّ الأساليب والوسائل؛ مَهمَا كانت قذارتها وَسُوءها، وتستخدم الدِّين والقنابل في سبيل حماية مصالحها الأنانية الضيقة.
وَثَقافيًّا: فَإنَّ الصِّرَاع المحتدم والمتفجر بين القديم والجديد مَايَزال قَائمًا، وَشَديدَ الضَّراوة. والقديم لم يَعُد كُلَّ شَيء؛ رغم امتلاكه وسائل «القوة والمنعة».
إن الثقافة الجديدة: ثقافة 26 سبتمبر، قد غدت أحد قطبي الرَّحَى، ولم يستطع القديم سِياسيًّا، وَأدبيًّا، وَفكريًّا أن يُصفِّي الحِسَابَ مَعَهَا، ولايزال الجديد يتصدر النَّشَاط العَام في الحَياة؛ رغم «الفيتو» الذي غَالبًا ما يَستخدمُهُ ضِدَّهُ زبانية القَديم في بلادنا؛ وهم ربما لحسن الحظ لا يعتمدون على الإقناع والحوار، ولا يتوفر لديهم أدنى حَدّ من حُريَّة التفكير والرأي والقدرة على الأخذ والعطاء؛ وَ«فاقد الشيء لا يعطيه»؛ لِذَا فهي أكثر لُجُوءًا إلى العَصَى الغليظة في حوارها «الديمقراطي»، مع الجديد.
إنَّ الصحف والمجلات والجرائد اليمنية والمجموعات أو الأعمال الأدبية التي صَدَرَت في الأعوام الأخيرة: أعوام الخِصب والعطاء؛ بالإضافة إلى الندوات والمحاضرات واللقاءات الأدبية التي تقام في صنعاء وتعز والحديدة وعدن، تُحَدِّد لنا بوضوح المَسَار العام لحركة الجديد، والإمكانيات الهائلة للانتصار على القديم، وحسم المعركة لصالحه في مدى زمني ليس بالبعيد؛ إلا أنَّ ذلك لا يمكن أن يحجب أبصارنا عن رؤية العلاقة الجدلية والترابط المحكم بين المعركة على كُلِّ الأصعدة: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية وإنه ليستحيل الانتصار هنا بدون الانتصار هناك.
إنَّ تعميق هذه الانتصارات هي التعبير الأمين عن رسوخ الثورة وتجذرها؛ والتطورات التي حققتها منذ قيام حركة يونيو التصحيحية، ورفدها مجرى الثورة بقوة جديدة، وَصَبّ المياه في المجرى العام لسبتمبر؛ بدلًا من صَبِّهِ في طاحونة الرجعية والاستعمار.
وما ينبغي أن نَعتزَّ بِهَ جَميعًا هو صدقنا مع شعبنا ومع أنفسنا؛ فالإنجازات السياسية والاقتصادي والاجتماعية التي تحققت، لاتزال في طورها الجنيني، ولاتزال في بداية الطريق؛ وهو ما كَرَّرَ التَّأكيد عليه الأخ رئيس مجلس القيادة أكثر من مَرَّة.
مِنْ هُنَا ندرك سِرَّ تمتن أواصر تحالف الجهل والمرض والظلم وبقاء قوته التي يستمدُّها من فساد الأوضاع العام؛ خُصوصًا في الرِّيف اليمني، ومن علاقات الإنتاج المتخلفة، ومن عوامل خارجية تلعب دور البطولة في أوضاع غير عادية.
على أن الانتصار الرائع الذي حققته 13 يونيو لا يتمثل في شيء تمثله في تدهور الأوضاع، وتفجر الخلافات، وانتشار الرشوة والكسب غير المشروع الذي انغسمت فيه القمة إلى مَا فوق الآذان. وقبل ذلك في تعبيرها عن المتطلبات والهموم الوطنية لغالبية جماهير شعبنا في الثورة، والقضاء، وإلى الأبد، على الفساد وركائزه.
وتدرك قيادتنا الشَّابَّة جَيدًا أنَّ الانتصار العظيم الذي حققه شعبنا؛ سواء أثناء الحرب الوطنية، أو الكفاح ضِدَّ الاستعمار، قد ارتبطَ بالاعتماد على الجماهير، ومشاركتها الفَعَّالة في صُنعِ مصيرها وقدرها.
وأمانتنا لسبتمبر: القدر، والمصير، الذي لا مَصيرَ لَنَا، وَلا قَدَر إلا بصونِ مَبادئهِ، وحمايتها، وتطويرها بما يُوائِم المُعطَيات التي استجدَّت على الأوضاع العامة؛ عَقِبَ حركة 13 يونيو التصحيحية، وبما يواكب رُوح العَصر والتيارات الحضارية والإنسانية.
والقضية الرئيسية التي تواجهنا هي بناء الدولة المركزية القوية التي تفرض سلطانها وسيادتها على الأرض اليمنية في هذا الشطر من الوطن، وفرض قوة النظام، وهيبة القانون على مواطنيها جَميعًا بدون استثناء؛ بحيث يصبح الوطن هو قبلة الولاء والتأييد؛ وتسقط، وإلى الأبد، الولاءات المتعددة والمزدوجة، وتتجه الولاءات: سَلبًا، أو إيجابًا لدولة واحدة، وجيش واحد، ونظام واحد. وتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي السبتمبري مرتبط في الأساس بتعميقه، ومزيد من الإجراءات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية الكفيلة بتحويل هذا الهدف إلى حقيقة عملية، وواقع فعلي؛ وبالتالي المضي قُدمًا في سَنِّ القوانين والتشريعات المختلفة، وتحديث أجهزة الدولة، وتزويدها بالخبرات والكفاءات المتخصصة، وَمَدّ نفوذها ووجودها إلى المناطق النائية، وتطهير الأجهزة البالية والعتيقة من الفساد، والرشوة، واللامبالاة؛ وبصفة أخصّ تلك الأجهزة التي لم تعد تتلاءم مع طبيعة المرحلة الجديدة، ولا تواكب رُوحَ العصر والحياة؛ في حين ترتبط بها قضايا الناس وهموهم اليومية.
وعلى النطاق الاقتصادي؛ فَإنَّ المرحلة تتطلب مُضاعفة الاهتمام بالقطاع العام والمختلط، وتوفير الضمانات اللازمة لاستمراره في أداء دوره في الحياة الاقتصادية، وصونه من التخريب، والفساد، والعناصر المتفسخة التي أساءت إليه كَثيرًا، وَحَاولت بشتَّى الوسائل التدليل على فَشَله، أو على الأقل وضعه في المرتبة الأخيرة من سُلَّم النَّشَاط الاقتصادي. والأهم حمايته من طغيان القطاع الخاص، ومن النشاط التهريبي المحموم من جهات متعددة؛ والتي تسببت وتتسبَّب في حرمان الدولة من عائدات كثيرة جِدًا، وتدمير الاقتصاد الوطني والصناعات الوطنية البديلة، وَشَلّ فاعليتها.
ومن الضروري وضع البرامج الإنمائية والخطط الاقتصادية والتربوية والثقافية؛ لِسَدِّ احتياجات البلاد المتزايدة، والاتجاه الجَاّد نحو إعادة بناء الاقتصاد على أسس سليمة؛ وحسب الإمكانيات المُتَاحة والظروف المحيطة؛ بِمَا يُعزِّز التحرر الاقتصادي، وينبغي أن تلعب «التعاونيات» دَورًا كَبيرًا في هذا المجال.
وأخيرًا؛ فإن قيادتنا الشَّابة، وعلى رأسها الأخ المقدم إبراهيم محمد الحمدي، لتدرك جَيدًا المغزي العميق لانتصار ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، و 13 يونيو؛ رغم ترجيح ميزان القوة لصالح أعدائها، ولم يكن سِرَّ هذا النجاح المذهل والالتفاف الجماهيري المنقطع النظير، إلا في تعبيرها الصَّادق؛ عَمَّا وَصَلت إليه الأوضاع الشَّاملة؛ وَهُوَ مَا أحدثَ صِلةً حميمة بَينَ السَّلطة والجماهير كَانَ لها أعظم الأثر على انتصار الثورة.
وهو ما ينبغي أن يكون محل اهتمام قيادتنا الشابة؛ كأهم عامل من عوامل النصر، وتحقيق الأهداف الرئيسية للحركة التصحيحية؛ ولطموحات وتطلعات جماهير شعبنا اليمني، وَتَلمُّس همومها ومعاناتها، والعمل على حَلِّهَا بِرُوح المسؤولية والصدق الوطني.
* نُشِرَ في «اليمن الجديد»، سبتمبر، 1975.
