حين تسوق الأقدام رأس السياسة اليمنية..!
تقتضي الطبيعة الفيزيائية والبيولوجية الحاكمة لكل كائن حي على وجه الأرض أن الرأس هو مركز التوجيه والقيادة، وبؤرة الوعي المعرفي، ومصدر القرار السيادي الذي تتحرك بموجبه بقية أعضاء الجسم صعودًا وهبوطًا.
وتعتبر الأطراف والأقدام في هذا السياق الطبيعي والمنطقي مجرد أدوات تنفيذية خاضعة تمامًا، تنقل الجسد من مكان إلى آخر بناءً على إشارات عصبية مدروسة ومحسوبة بدقة متناهية من خلايا الدماغ العليا.
لكن عند إسقاط هذا المنطق الفطري البديهي على المشهد السياسي اليمني المعاصر بكافة تعقيداته وتفاصيله، سنصطدم بحقيقة مشوهة تقلب هذه المعادلة الكونية رأسًا على عقب وتصيب المراقب الحصيف بالذهول الشديد.
إننا نعيش في جغرافيا سياسية تعاني منذ سنوات من حالة شاذة وغير مسبوقة في تاريخ العمل التنظيمي، أصبحت فيها الأطراف والأقدام هي من تقود الرأس، وتوجه مساراته، وتحدد بوصلته وتوجهاته المستقبلية والتحالفية.
يتجلى هذا الانعكاس الصادم والخطير في طبيعة العلاقة المشوهة القائمة اليوم بين قواعد الأحزاب السياسية وجماهيرها المشحونة عاطفيًا من جهة، وبين قيادات الصف الأول والمكاتب السياسية لتلك الأحزاب من جهة أخرى.
وهنا تحديدًا تكمن الكارثة الصامتة، والورم الخبيث المستتر الذي يتغلغل في عمق الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي والوطني اليمني، دون أن تنتبه له النخب التقليدية أو تحذر من تداعياته القاتلة على مستقبل الكيان الاتحادي.
لقد تحول الفعل السياسي في اليمن من عملية ترشيد وتوجيه واعية تقودها النخب المثقفة والمجربة، إلى مجرد ردود أفعال عاطفية متشنجة تقودها الجماهير الغاضبة، والموجّهة رقميًا عبر غرف المغردين والناشطين الافتراضيين.
إن فهم هذه المعضلة البنيوية العميق يتطلب منا الغوص بعيدًا في تفاصيل التحول الرقمي والاجتماعي الذي طرأ على البنية الحزبية اليمنية، وخصوصًا خلال سنوات الحرب الطويلة التي فككت الروابط التنظيمية الصارمة.
فقد انخرطت قواعد الأحزاب بمختلف توجهاتها الأيديولوجية والسياسية في معارك ومكايدات بينية شرسة وواسعة النطاق، مستخدمة كافة وسائط التواصل الاجتماعي ومنصات الفضاء الافتراضي المتاحة.
هذه المعارك اليومية الطاحنة لم تكن مجرد نقاشات سياسية عابرة أو تبادل لوجهات النظر، بل تحولت إلى مصنع حقيقي لإنتاج وعي صدامي مأزوم، يتغذى سيكولوجيًا على خطاب الكراهية، والإقصاء، وتخوين الآخر الشريك.
تجاوز هذا الوعي المشوه والمندفع كل الخطوط الحمراء للعمل السياسي، وتخطى الحدود الدنيا للمسؤولية الوطنية والأخلاقية التي كان ينبغي للحركة السياسية اليمنية الحفاظ عليها كحد أدنى لضمان العيش المشترك بعد الحرب.
ولم يلبث هذا الضجيج الافتراضي والوعي الغوغائي المنفلت أن انتقل تدريجيًا من شاشات الهواتف الذكية الصغيرة، ليفرض نفسه كأمر واقع يتسيد وسائل الإعلام الحزبية الرسمية، والقنوات الفضائية الرديفة، والمواقع الإخبارية الموجهة.
وأمام هذا السيل الجارف والضغط الشعبي والقاعدي الهائل، وجدت القيادات الحزبية العليا نفسها في موقف العاجز تمامًا، والمشلول بنيويًا عن اتخاذ أي سياسات توجيهية حازمة، أو إصدار قرارات عقلانية حكيمة.
لقد فقدت هذه القيادات التاريخية القدرة والجرأة على ترشيد جماهيرها، وتوجيهها نحو المواقف الوطنية المصيرية التي تتطلب التنازل العقلاني، والقبول بالتسويات، والتوافق من أجل المصلحة العليا للبلاد والعباد.
بدلًا من أن يكون القائد الحزبي صانعًا حقيقيًا للرأي العام، وموجهًا للأحداث بناءً على قراءة استراتيجية حصيفة للمشهد الإقليمي والدولي، تحول إلى أسير ذليل يخاف غضب القواعد، ويخشى حملات التخوين والجلد الرقمي من منصات جماهيره.
ونتيجة لهذا الرعب القيادي المستشري من الشعبوية الرقمية والغوغائية الحزبية، نرى اليوم النخب السياسية في أعلى الهرم خرساء، صامتة، ومستسلمة بشكل يدعو للأسف، ويثير الشكوك في آن واحد حول أهليتها لإدارة المرحلة.
وفي المقابل، تنطلق وسائل إعلامها الرسمية وغير المباشرة في خوض حروب عبثية وانتحارية بالوكالة، تارة ضد شركاء العمل السياسي والمصير المشترك في خندق مواجهة الانقلاب، وتارة أخرى ضد دول التحالف العربي الداعمة لشرعية الدولة.
ولم يتوقف هذا القطار المنفلت من عقاله عند حدود المناكفات السياسية أو الفكرية، بل وصل إلى مستويات لا أخلاقية وغير مسبوقة ركزت على استهداف، وتتشويه، وطعن مكونات المقاومة الشعبية في مختلف الجبهات المشتعلة.
بل إن الأنكى والأشد مرارة هو شن حملات سفاهة، ومواقف غير مسؤولة ضد ألوية ورموز في الجيش الوطني، الذي يمثل في الأصل صمام الأمان الوحيد المتبقي لاستعادة مؤسسات الدولة والحفاظ على ما تبقى من كيانها الممزق.
إن هذا السلوك الحزبي الانتحاري يثبت بوضوح لا لبس فيه أن مركز القرار والمبادرة قد انتقل كليًا من المكاتب السياسية المغلقة والغرف الاستراتيجية للأحزاب، إلى الشارع الرقمي المنفعل الذي تحركه الحسابات الوهمية والممولة.
إن الأمور في الساحة اليمنية لاتزال تتجه نحو تصاعد مستمر وأكثر خطورة، لأن هذه الأقدام المنفلتة هي من ترسم اليوم بشكل فعلي مسارات الأحداث الميدانية والسياسية، وتفرض أجنداتها الضيقة على أرض الواقع.
ويحدث كل هذا التدمير الذاتي الممنهج في ظل شلل كامل، وموت سريري غير معلن يصيب عقول هذه الأحزاب ورؤوسها الهرمة التي كفت عن إنتاج الأفكار، أو تقديم المبادرات الوطنية الشجاعة منذ سنوات طويلة.
ولا يمكن لأي مراقب عاقل، أو محلل منصف، أو غيور على هذا الوطن أن ينتظر انفراجًا قريبًا أو حلولًا جذرية للأزمة اليمنية المعقدة مادامت هذه الديناميكية المقلوبة والمشوهة هي الحاكمة والمحركة للمشهد العام.
فالرأس المشلول لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يقود جسدًا مثخنًا بالجراح نحو بر النجاة، والأقدام التي تتحرك بعشوائية وانفعال غريزي لن تقود البلاد إلا نحو مزيد من التشظي، والانهيار، والضياع في متاهات الحروب الأهلية.
إن السر الحقيقي والعميق وراء هذا الشلل القيادي الفادح، وهذا الاستسلام المخزي لغوغاء المنصات، يكمن في تغلغل وتغول طبقة جديدة يمكن تسميتها بطبقة "تجار الحروب والمستفيدين من استدامة الأزمات" في المفاصل الحيوية للأحزاب.
لقد تمكنت هذه الفئة النفعية الانتهازية من السيطرة الكاملة على المواقع الإدارية، والدوائر الإعلامية والمالية الوسطى داخل تلك الأحزاب والتنظيمات، وهي الدوائر التي تمثل عصب الاتصال المباشر بين القيادة والقواعد الشابة.
هؤلاء المستفيدون من استمرار الصراع، والذين تنتهي مصالحهم الشخصية، وامتيازاتهم المالية، ونفوذهم السياسي بانتهاء الحرب وتحقيق السلام العادل، يدأبون بكل الوسائل المتاحة على شحن القواعد وتأجيج عواطفها بشكل مستدام.
إنهم يصنعون من القواعد الحزبية قوة ضغط همجية، وموجهة بدقة، يستخدمونها كعصا غليظة لترهيب القيادات العليا، وتوجيه حركتها، وإملاء القرارات والبيانات السياسية المتشنجة عليها تحت طائلة التشويه والعزل الاجتماعي.
وبذلك، أصبح القائد الحزبي مجرد صدى باهت لصوت الشارع المنفعل الذي يصنعه ويوجهه تجار الحروب، بدلاً من أن يكون صوتًا مدويًا للحكمة، والعقل، والمسؤولية التاريخية والأخلاقية أمام الشعب المنهك.
إن هذه المعضلة البنيوية تفسر لنا بوضوح كافٍ سبب تراجع الأداء السياسي لشرعية الدولة، وفشلها المتكرر في بناء جبهة وطنية متماسكة، وقوية، وقادرة على مواجهة التحديات الوجودية الكبرى التي تهدد الهوية اليمنية.
فكلما اقتربت القيادات السياسية العليا بحكم المسؤولية من صياغة تفاهمات وطنية، أو تقاربات بينية مع بقية المكونات، تحركت هذه الدوائر الوسطى لتحريك القواعد، وإشعال الحرائق الإعلامية لإفشال تلك الجهود في مهدها لحماية مصالحها.
إن استمرار هذا الوضع الشاذ يعني باختصار تحويل الأحزاب السياسية من أدوات لبناء الدولة وحماية المجتمع، إلى معاول هدم وتجريف تمزق النسيج الاجتماعي، وتطيل أمد المعاناة الإنسانية الكارثية للمواطن اليمني البسيط.
ولن يجد الخصوم والأعداء المتربصون باليمن أية ثغرة لمناقشة هذا الطرح أو دحضه، لأن الشواهد اليومية الصارخة على الأرض وفي فضاءات الإنترنت تؤكد هذه الحقيقة المرة لكل ذي عينين وعقل بصير.
فالمعارك الجانبية والبيزنطية التي تشتعل يوميًا، وتستهدف رفقاء السلاح والصف الواحد، لا تخدم في نهاية المطاف إلا المشاريع الانقلابية السلالية، والمخططات التدميرية الإقليمية التي تستهدف اليمن ككيان، وجغرافيا، وتاريخ.
إن علاج هذه المعضلة البنيوية والسياسية القاتلة في اليمن لن يبدأ إلا بإعادة الاعتبار لمفهوم القيادة الحقيقية الصارمة، واستعادة الرأس السياسي لوعيه المسلوب، وكرامته التنظيمية، ومكانته الطبيعية المفترضة في أعلى الهرم.
يجب على القيادات الحزبية الحالية، أو تلك النخب الشابة النظيفة التي ستخلفها، أن تملتك الشجاعة الأدبية والسياسية الكاملة لكبح جماح الأقدام المنفلتة، ومواجهة غوغائية القواعد بحقائق الواقع الصعب ومتطلبات المرحلة الاستثنائية.
إن القيادة في أوقات الحروب والأزمات الوجودية ليست منصبًا شرفيًا، أو موقعًا لالتقاط الصور والتمترس خلف المكتسبات، بل هي اتخاذ القرارات المصيرية الصعبة، والتحلي بالمسؤولية التاريخية حتى وإن لم يرضَ عنها الشارع المشحون.
ما لم تستعد الرؤوس السياسية والأيديولوجية قدرتها الكاملة على التوجيه، والسيطرة، وتطهير صفوفها الوسطى من تجار الحروب والمقاولين بالدماء، فإن الأقدام العشوائية ستستمر في السير بالجميع نحو هاوية سحيقة لا قاع لها.
إنها دعوة صريحة ومخلصة لمراجعة الذات قبل فوات الأوان، فالتاريخ لا يرحم الواقفين في منتصف المواقف، والبلدان لا تبنى برغبات العوام المنفعلين، بل برؤى القادة العظام الذين يعرفون متى يقودون، وكيف يوجهون الدفة نحو بر الأمان.
***
مقال كتبته قبل سنوات ثماني ولم أنشره... وجدته الليلة بمسوداتي بالبريد الإلكتروني الخاص، ولأهميته أعيد نشره لأنه مايزال يؤكد بموضوعه إشكالية ماتزال قائمة حتى يومنا هذا.
