الضالع: كيف صنعت الجغرافيا والحدود دوراً سياسياً استثنائياً في تاريخ اليمن؟
تحتل محافظة الضالع موقعًا فريدًا في التاريخ السياسي اليمني، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي الرابط بين شمال اليمن وجنوبه، وإنما أيضاً نتيجة تراكم تاريخي طويل جعلها إحدى أكثر المناطق تأثيراً في التحولات السياسية التي شهدتها البلاد خلال القرون الماضية. فمنذ نشأة إمارة الضالع ككيان سياسي مستقل، مروراً بمرحلة الاستعمار البريطاني ودولة الجنوب، وصولاً إلى الحرب اليمنية الراهنة، ظلت الضالع تؤدي أدواراً تتجاوز حدودها الجغرافية والديموغرافية.
ويشير تتبع المسار التاريخي للمحافظة إلى أن أهمية الضالع لم تكن ناتجة عن ثقل اقتصادي أو سكاني، بل عن موقعها الحدودي ودورها بوصفها منطقة تماس بين مشاريع سياسية متنافسة، الأمر الذي أسهم في تشكيل هوية سياسية خاصة بها، قائمة على مفاهيم الاستقلال والدفاع عن المجال السياسي المحلي.
تعود جذور الكيان السياسي في الضالع إلى القرن الثالث عشر الميلادي مع تأسيس إمارة آل الأميري، التي استطاعت الحفاظ على وجودها واستقلاليتها النسبية وسط بيئة سياسية متغيرة شهدت صعود وسقوط العديد من القوى المحلية والإقليمية. واكتسبت الإمارة أهمية استثنائية مع بداية القرن العشرين عندما أصبحت أول إمارة جنوبية ترسم حدوداً سياسية واضحة مع ولاية اليمن العثمانية عام 1903م. ولم يكن ترسيم الحدود حدثاً إدارياً، بل مثّل لحظة مفصلية في تشكيل الوعي السياسي للمنطقة إذ تحولت الضالع إلى نقطة فصل جغرافي وسياسي بين شمال اليمن وجنوبه، وهو واقع استمر تأثيره حتى بعد زوال الإمارة نفسها.
ومن منظور تاريخي، يمكن النظر إلى الضالع باعتبارها إحدى المناطق التي تشكلت هويتها السياسية حول مفهوم الحدود، وهو ما يفسر استمرار حضورها في مختلف محطات الصراع اليمني اللاحقة. فالجغرافيا هنا لم تكن مجرد عامل مكاني، وانما أصبحت عنصراً فاعلاً في إنتاج الدور السياسي للمحافظة وصياغة علاقتها بمحيطها.
مع توسع النفوذ البريطاني في جنوب اليمن خلال القرن التاسع عشر، أصبحت الضالع جزءًا من منظومة المحميات المرتبطة بعدن لكنها احتفظت بخصوصية سياسية نابعة من موقعها الحدودي. وخلال ثورة 14 أكتوبر ضد الاستعمار البريطاني برزت المحافظة كإحدى أهم ساحات العمل الوطني والفدائي، وشهدت مواجهات مبكرة ومؤثرة ضد القوات البريطانية، وأسهمت في استنزاف الوجود الاستعماري في المناطق الشمالية من الجنوب المحتل.
كما ينظر كثير من المؤرخين الجنوبيين إلى الضالع باعتبارها من أوائل المناطق التي تحررت فعلياً من السيطرة البريطانية قبل إعلان الاستقلال الكامل في 30 نوفمبر 1967م، وهو ما عزز مكانتها في الذاكرة الوطنية الجنوبية باعتبارها إحدى بوابات التحرر الوطني.
بعد الاستقلال وقيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية برزت الضالع باعتبارها إحدى المناطق المؤثرة في البنية السياسية والإدارية للدولة الجديدة. ولم يقتصر دورها على المشاركة في مؤسسات الحكم، بل أصبحت جزءًا من النخبة التي ساهمت في تشكيل ملامح النظام السياسي الجنوبي خلال العقود اللاحقة. وشغل أبناء الضالع مواقع متقدمة في مؤسسات الدولة والحزب الاشتراكي اليمني، كما لعبوا أدواراً مؤثرة في عملية بناء الأجهزة الإدارية للدولة. ونتيجة لذلك، تحولت المحافظة إلى أحد مراكز الثقل السياسي داخل الجنوب، خصوصاً خلال المراحل التي سبقت الوحدة اليمنية عام 1990م.
وتُظهر هذه التجربة خصوصية المسار السياسي للضالع مقارنة بعدد من المناطق اليمنية الأخرى؛ إذ ارتبطت الهوية السياسية المحلية بدرجة أكبر بمفاهيم التنظيم الحزبي والعمل المؤسسي والدولة المركزية الحديثة، أكثر من ارتباطها بالبنى القبلية التقليدية التي ظلت فاعلة في أجزاء واسعة من اليمن. وقد أسهم هذا الإرث في تشكيل ثقافة سياسية محلية تقوم على الانخراط المباشر في الشأن العام وإنتاج النخب السياسية.
أدت الوحدة اليمنية عام 1990م إلى إنهاء الحدود السياسية التي ظلت الضالع تمثل أحد أبرز رموزها لعقود طويلة. غير أن آثار تلك الحدود لم تختفي بالكامل إلا أنها بقيت حاضرة في الوعي السياسي والاجتماعي للسكان. وبعد حرب صيف 1994م برزت الضالع كواحدة من أكثر المناطق الجنوبية تعبيراً عن حالة السخط تجاه مخرجات الوحدة، ومع انطلاق الحراك الجنوبي عام 2007م تحولت المحافظة إلى مركز رئيسي للاحتجاجات والمطالبات السياسية المرتبطة بالقضية الجنوبية، وأصبحت إحدى أهم ساحات التعبئة السياسية للحركة الجنوبية.
ويُظهر هذا المسار أن الضالع لم تتعامل مع الوحدة بوصفها مجرد تغيير إداري، بل بوصفها تحولاً عميقاً في طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، وهو ما انعكس على مواقفها السياسية خلال العقود اللاحقة.
مثّل اجتياح جماعة الحوثي للمحافظات الجنوبية عام 2015م اختباراً جديداً للدور التاريخي الذي لعبته الضالع بوصفها منطقة حدودية. فمع تقدم الجماعة جنوباً، أصبحت المحافظة إحدى أهم ساحات المواجهة. وتمكنت القوى المحلية من استعادة السيطرة على مناطق المحافظة بعد أشهر من اندلاع الحرب لتصبح أول محافظة يمنية تنجح في دحر الحوثيين وطردهم من معظم أراضيها خلال عام 2015م. وقد شكّل ذلك تحولاً مهماً في مسار الحرب ورسّخ صورة الضالع كإحدى أبرز قلاع المقاومة ضد الجماعة.
ومنذ ذلك الحين، تحولت المحافظة إلى خط تماس دائم بين مناطق سيطرة الحوثيين والمناطق الواقعة خارج سيطرتهم ما أعاد إنتاج دورها التاريخي كمنطقة فاصلة بين مراكز نفوذ متنافسة وإن اختلفت طبيعة الأطراف المتصارعة عبر الزمن.
قراءة التاريخ السياسي للضالع تكشف أن المحافظة لم تكن مجرد وحدة إدارية ضمن الخارطة اليمنية بل شكلت عبر قرون طويلة فضاءً سياسياً له خصوصيته التاريخية. فقد كانت أول إمارة جنوبية ترسم حدوداً سياسية واضحة مع الشمال، وإحدى أولى المناطق التي تحررت من الاستعمار البريطاني، كما أصبحت لاحقاً مركزاً مؤثراً في دولة الجنوب وأول محافظة تنجح في دحر جماعة الحوثي خلال حرب 2015م.
وتشير هذه المحطات مجتمعة إلى أن الدور الذي لعبته الضالع لم يكن نتاج ظرف طارئة صنعتها الأحداث والتقلبات السياسية، بل نتيجة تفاعل طويل بين الجغرافيا والحدود والتاريخ السياسي. ولذلك فإن فهم الضالع لا يساعد فقط على قراءة تاريخ محافظة بعينها بقدر ما يتيح فهماً أوسع لكيفية تشكل موازين القوة والهويات السياسية في اليمن الحديث، ولماذا ظلت هذه المحافظة حاضرة في معظم المنعطفات الكبرى التي شهدتها البلاد خلال أكثر من قرن.
