الأربعاء 10 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • عبدالرحيم البرعي الشاعر الكبير والصوفي الإنسان

عبدالرحيم البرعي الشاعر الكبير والصوفي الإنسان

أرسلَ لي الأخ الصحفي أشرف الفلاحي رِسالةً يتحدث فيها عن الشيخ العلامة الصوفي الشاعر الكبير عبدالرحيم البرعي، وقصيدته الرائعة التي طارت شهرتها، وَسَارَت مع صاحبها مسير الشمس في جميع أنحاء العالم الإسلامي؛ وهي: «يا سائرين إلى مِنىً بقيادي»، ورددها الوشَّاحُون في تِهامةَ، والحجاز، وحضرموت، وغير ذلك من قصائده العذبة الرقيقة التي لا تزال تنبض بالحياة، والمفعمة بالروحانية الشَّفافة الصادقة العميقة.

وَسَألني فيها عن سبب جهل الغالبية العظمى من الناس سيرته، وشخصه، واسمه.

والحقيقة إنَّ هذا أمرٌ يدعو للأسف، ويبعث على الحسرة؛ بِأن يَجهلَ أبناء هذا الجيل تاريخ بلدهم العريق اليمن ورموزه الثقافية والعلمية والأدبية والحضارية.

ثم إنَّ مَن يَعرف الشاعر الكبير عبد الرحيم البرعي لا يظن سوى كونه شاعر وأديب ومتصوف فقط، ويجهل أنَّ البرعي من علماء اليمن الكبار؛ فهو فقيه كبير شَرَحَ كتاب «التنبيه» في فقه الشافعية، للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وهو عالم فلك أيضًا؛ له رسالة في هذا العلم حققها الوالد الأستاذ عبد الباري طاهر، وَنُشِرَت في تسعينات القرن الماضي، بمجلة «الإكليل».

إنَّ هذه الشكوى التي اشتكى منها هذا الصحفي، وأثارت أسئلته وحيرته، يتداخل فيها العامل السياسي، والجغرافي، ونوع التعليم الذي كَانَ -ولا يزال- سَائِدًا.

وقد نجد جوابَ الفَلاحي أيضًا عند المؤرخ الكبير مسلم اللحجي (ت: 550هـ)، حين قال: «إنَّ قِلَّة الرَّغبة في أهل اليمن في إحياء ما يكون في بلادهم، وفي أهلها من الأخبار والآثار، ولهم الفضائل والمحاسن والعجائب ما قد عرفت.

ومعلوم أنه قد كان في اليمن من المحاسن الحسنة في أخبار الدنيا في الجاهلية، والإسلام، وأخبار الدين في الإسلام، وسائر مكارم الأخلاق، ونوادر العجائب التي قد دوَّن أهل العراق، والحجاز، ومصر، والشام، وخراسان ما هو دونها، وأحيوا ما في طبقتها من أخبار ملوكهم، وقوادهم، وشعرائهم، وكُتَّابهم، وخطبائهم، وفقهائهم، وعُبَّادهم، وزهَادهم، ووزرائهم، وسُوقتهم، وعوامهم، وغير ذلك، ولهذا حيوا وماتوا».

وإذا ما تأملنا كلام المؤرخ اللحجي زَالَ تعجبنا ألا نرى مُؤرخًا كبيرًا كالقاضي إسماعيل الأكوع بعدم ذكره لمثل هذه الشخصية الكبيرة في تاريخه «هِجَر العلم ومعاقله في اليمن»، وكذلك الأستاذ المؤرخ عبد الرحمن بعكر بإغفاله له في كتابه «كواكب يمنية في سماء الإسلام».

وكيف ذلك؛ وهو أحد الكواكب السَّيَّارة المُضِيئة التي يفخر بها هذا البلد العريق؟!

وَيُشكَر الأستاذ القدير والصوفي الجليل عبد العزيز سلطان المنصوب في إعادة تحقيقه لديوان البرعي، وَالدِّرَاسة القيمة التي قدَّمَها له.

ومع ذلك تظل الدراسات والقراءات التي قُدِّمَت عن هذه الشخصية العظيمة قليل جدًّا، وأنا لا أذكر منها سِوَى مقال للعم المرحوم الأستاذ عبد الرحمن حسن الأهدل نشره في إحدى الصحف اليمنية؛ ولعلها كانت صحيفة «الثوري».

ودراسة تحليلية قام بها الباحث محمد صالح الريمي؛ أشار إليها الأستاذ المنصوب في مقدمة دراسته للديوان وصاحبه.

ودراسة بعنوان «البُرَعي اليمني: الشاعر والفقيه»؛ لجواد المرابط؛ نُشِرَت بدار الرِّسَالة عام 1978م».

ودراسة نَالَ بها الباحث المصري محمد بن عبد اللطيف القناوي دَرجَةَ الماجستير بجامعة القاهرة في تحقيقه لديوانه.

لقد عَاشَ البُرَعِي مُحبًا للذات الإلهية، متعلقًا بالذَّات النبوية المصطفوية، مُخلصًا لأسرته وأطفاله وأصدقائه الذين ما فتئ يذكرهم، ويثني عليهم، ويدعو لهم كما نراه في قوله:

وعَافِ أبا السُّعُود صُويحِبي مِنْ

أذى جُرحٍ بطيءِ البُرءِ سَاري

وَكُنْ لِدَخيلِ عِلَّتِهِ طَبيبًا

بلا نَارٍ ولا طُولِ انتِظَارِ

فإنَّكَ إنْ لَطفتَ بِهِ تَعَافَى

وَعَادَ بلطفِ صُنعكَ وهُوَ بَاري

ويقول في أخرى:

يا مَنْ هُوَ المَعرُوفُ باِلمعرُوف يَا

غَوثاهُ يَا مَولاهُ يا مَولاهُ

لي صَاحبٌ يشكو الديون فَقضِّهَا

عَنهُ وبَلِّغهُ الذي يَهوَاهُ

واقبل توسُّلنَا بفضل مُحَمدٍ

وبِمنْ لَهُ وجهٌ لديكَ وَجَاهُ

وقوله في دعائه لبعض أصدقائه:

واكفِ السَّنَاحي عليًّا طول غُربتهِ

وَصُنهُ من جورِ دَهرٍ خائنٍ خَصمِ

وفي الختام..

إنَّ من الواجب علينا أن نكون أوفياء لرموزنا العلمية والثقافية والأدبية والحضارية؛ ولا سيما من كان بمنزلة الشيخ والشاعر الكبير عبد الرَّحِيم البُرَعي؛ وذلك بإحياء ذكرهم، ونشرِ فضائلهم، ومعالم نبوغهم وإبداعهم؛ عن طريق الدِّراسَات والبحوث والنشر والتحقيق وإقامة الندوات والفعاليات والبرامج.

9/ 6/ 2026