اغتيال الحمدي حياً وميتاً
سعد الحيميالحمدي اغتيل مرتين؛ الأولى بقتل جسده، والثانية بمحاولة إعدام تاريخه. وهنا تهون الجريمة الأولى (اغتيال الحياة) - رغم شناعتها - فهي اقتصرت على قتل النفس، وانتهت بارتكاب الجرم، أما الجريمة الثانية (اغتيال الممات) فبشاعتها أشد سفحاً وأفدح إثماً، وغايتها محو التاريخ وطمس المآثر ونسف الإنجاز وتشويه السمعة.

والأفظع منشهيد اليمن إبراهيم الحمدي، الذي لم تنجب اليمن زعيماً مثله.
وقبل أن نرصد بعض مذر البؤس لاغتيال الممات، الذي يعد الامتداد الفعلي والستار العملي اليائس من اغتيال الحياة، أتمنى من القارئ العزيز مطالعتها بالعقل لا بالعواطف، وترك المبررات في صندوق التبرعات لنصرة القدس، مع منح التعصب الأعمى راحة لمدة ثلاث دقائق فقط.
اغتيال الممات
- هل تتصور أنه قام بتكريم جميع الرؤساء السابقين ما عدا الحمدي؟!!!
فهل استثناء الحمدي بجلاله وعظمته، يوحي لك بشيء؟
- تم قلع وطمس وإزالة أحجار الأساس لجميع مشاريع الحمدي، ما عدا ما غفل عنه أو لم يعلم به، أو ما احتفظ به المخلصون للحقيقة، مثل حجر أساس البنك المركزي التي حفظت في المخازن، وحجر تأسيس مركز الدراسات والبحوث، التي أخفيت بوضع صورة فوقها، ولم تظهرا إلا بعد الخ.
-الحمدي هو الرئيس الوحيد الذي مُنع ظهوره في شاشات التلفزيون اليمني، ولا يتم ذكره في وسائل الإعلام الرسمية طيلة العهد.
- المشاركون في الجريمة، والحاضرون لها، والمحققون فيها، والعالمون ببواطنها، والمساهمون في ردم حقيقتها، تبوأوا المناصب الرفيعة، ونالوا كرم السخاء طوال عهد السكوت؟
- لم يتم فتح ملف الجريمة، أو إظهار تحقيقاتها، بل والأدهى أنه لم يقم حتى بإدانة الجريمة أو مرتكبيها على مدى السنوات العجاف.
- أما الأطرف في الأمر، أن لسانه لم يترطب بذكر الحمدي خلال 33 سنة، حتى بالترحم عليه، وكأنه - أي الحمدي - لم يكن رفيقه وجليسه، ولم يقربه منه ويرفع شأنه ويعينه قائداً للواء تعز ومعسكر خالد بن الوليد.
-أنكر تواجده في صنعاء تغطية لأركان الجريمة، رغم أن كبير مذيعي إذاعة صنعاء وأصدقهم (عبدالملك العيزري)، الذي قام بقراءة نبأ نعي الحمدي، قال إن (علي عبدالله) حضر إلى الإذاعة يومها، وسيطر عليها، وأشرف بنفسه على قراءة بيان النعي.
كذلك نائبه في لواء تعز اللواء (علي محمد صلاح) كتب في مذكراته أن قائد لواء تعز (علي عبدالله صالح) كان في صنعاء، وكان على تواصل واتصال به.
- قام بتغيير معظم المسميات التي ارتبطت بعهد الحمدي وحركته التصحيحية.
-تآمر ونسف أهم مشروع حيوي لتطوير اليمن أرضاً وإنساناً، وضرب عرض الحائط بكونه من أنجح المشاريع التطويرية في اليمن، لأنه من أفكار الحمدي، ألا وهو مشروع (التطوير والتعاون الأهلي).
-ألغى الخطة الخمسية التي تعتمد عليها معظم البلدان النامية، وتسير وفق مخططها العلمي في البناء والتعمير - ولا شأن لها بالرئيس السابق أو اللاحق - وليت كان لديه خطة علمية بديلة للنهوض، ولكن لأن واضعها هو إبراهيم الحمدي.
-لم يكن إنشاء المؤسسة العسكرية كمشروع يخدم منتسبي القوات المسلحة فقط، بل كان حلماً لبناء رافد عملاق ينعش الاقتصاد اليمني، فتم اغتياله فكرة ومضموناً، لا من حيث تغيير الاسم فحسب من العسكرية إلى اليمنية، ولكن - كما يعلم الجميع - بتحويلها إلى مؤسسة خاصة بجيبه، ولا علاقة لوزارة المالية بها.
- كان يوم التشجير من أعظم أيام اليمنيين، لما له من قيم إنسانية وراحة للنفس واهتمام بجمال البلد، ورعاية الشجرة كرمز للحياة وظاهرة حضارية ومحاربة التصحر وخلق بيئة نقية، فقام بمحو هذا اليوم، ليس لأنه يحتفي بكل ذلك، ولكن لأنه مرتبط بالحمدي.
-تم تجيير الكثير من تأسيس المشاريع الكبرى: وطنية واقتصادية وسياسية لصالح عفاش، نذكر على سبيل المثال منها: إنجاز مشروع الوحدة، وبناء سد مأرب، وتأسيس المؤتمر الشعبي العام، دون أن تتم حتى مجرد إشارة لصاحب الفضل الحقيقي.
-لم يتم الاهتمام بأسرة شهيد اليمن الحمدي كما تم الاهتمام ببقية أسر الرؤساء والمسؤولين إطلاقاً، بل ارتكبوا فضيحة أخلاقية في حق الحمدي، بمطالبة أسرته بإحضار شهادة الوفاة!؟
-كان يمنع دخول كتاب أشهر الاغتيالات السياسية، ثم تمت الموافقة له بعد قطع الصفحات التي تتحدث عن اغتيال الحمدي، ثم تم السماح بعد تسربه بكميات كبيرة لنوعيات الكتب التي لا تتطرق للقتلة، وكذلك منعت وصودرت كل المجلات والصحف الخارجية التي تتناول جريمة اغتيال الشهيد إبراهيم.
- تم منع أي أغانٍ فيها إشارة للحمدي أو فترته أو مفردات توحي بعهده، مثل: التصحيح، يونيو، التطوير، التعاون، من الظهور في الإذاعة والتلفزيون.
-لم يقتصر الأمر هنا فقط على القطرات التي ذكرناها من فيض ما جرى، بل سعى إلى تشويه وتزييف صورة الحمدي بشتى الوسائل والطرق، من خلال الأقلام المأجورة أو عبر أبواقه والمطبلين له، وللأسف أن أتباعه لا يزالون حتى اليوم يمارسون نفس السياسة، ويرون في تشويه النور تلميعاً للجهالة.
الرحمة والخلود لإبراهيمنا الأمة.
