الثلاثاء 9 يونيو 2026

وداعاً أنيس حسن يحيى...

برحيل الأستاذ أنيس حسن يحيى، تُطوى صفحة وازنة من سجل "جيل التأسيس" في تاريخ اليمن الجنوبي المعاصر؛ ذلك الرعيل الذي تصدى لمهمة إنهاء الحقبة الاستعمارية، وراهن على اجتراح دولة الحداثة والعدالة الاجتماعية من معمعةٍ مخاضٍ ثوريٍّ تمازجت فيه التضحيات الجسام بالآمال العريضة. مشروعَان متلازمَان لا يقبلان الفصل أو التأخير: تحرير الوطن أولاً، وبناؤه ثانياً. غير أن الفارق بين مَن هو مِثل أنيس وكثير من معاصريه أنه كان يعلم، في قرارة وعيه، أن الفصلَين ليسا متتاليَين زمنياً، بل يجب أن يكونا متزامنين: لا تحرير بلا اقتصاد، ولا اقتصاد بلا دولة، ولا دولة بلا مؤسسات.

أنيس يحيى
أنيس يحيى

أبصر النور في عدن عام ١٩٣٦م. وفي رحاب تلك الحاضرة الكوسموبوليتية التي شكلت استثناءً حضارياً، تخلّق وعيه المدني الراسخ، وفي جامعة القاهرة درس الاقتصاد، وتسلّح بمعرفةٍ علميةٍ مُعتبرة. وقد أورثته نشأته في كَنَف أسرة عاملة، فضلاً عن تأهليه، حسّاً اقتصادياً متقدّماً، ويقيناً مفاده بأن التغيير الحقيقي لا يُقاس بحرارة الخطاب الثوري، بل بعمق التحول في بنية الإنتاج وعلاقاته.

كان الأستاذ أنيس في جوهره دولتي التوجّه، تكنوقراطي الأدوات، في بيئةٍ شديدة الراديكالية كانت تُؤثِّر حدّة الشعار على صبر وحنكة البناء. كان يرى، بعين الاقتصادي لا بعين الأيديولوجي، أن الماركسية ليست كنيسةً للعبادة، بل أداةً للتحليل، وأن الاشتراكية التي لا تُنتج ثروةً ولا تُرسِّخ مؤسسةً ستأكل أبناءها قبل أن يأكلها خصومها. كان، بتعبير طرابيشي عن ياسين الحافظ: يمتلك وعياً عقلانياً مطابقاً للواقع في محيطٍ كثيراً ما كان الوعي فيه "عبارة عن محاولات لإنتاج وعيٍّ للسيطرة لا على عالم الواقع، بل على عالم الخطاب".

وزيراً للاقتصاد والصناعة، ثم للمواصلات، ثم للثروة السمكية، ثم نائباً لرئيس الوزراء؛ مسيرةٌ وزارية حافلة. وفي كل مواقعه، آمن بأن الاقتصاد هو محرّك التاريخ الصامت الذي لا يُسمع وقع خطاه وسط ضجيج الأيديولوجيا. وكان له رأيه الخاص في كيفية إدارة الشأن العام، لكنه لم يجد من يُصغي إليه.

بعد الوحدة، واصل حضوره مستشاراً ورئيساً لكتلة الاشتراكي في البرلمان، لكن المشهد كان يتحوّل حوله بسرعة أفجعت حتى أشد الحالمين والمتشائمين معاً. وحين تحول حلم الوحدة التشاركي إلى معادلة قسرية تقوم على الغلبة والإقصاء؛ كان انسحابه من المزاحمة على واجهة المجال السياسي، احتجاجاً من جهة، مفضلاً الانزواء في عزلةٍ سياسيةٍ اختياريةٍ دفع ضريبتها الكاملة من التهميش والإقصاء، ومن جهة أخرى فرصةً للاستمرار في ممارسة النشاطات المدنية النوعية في مدنية عدن.

ما يُؤْثَر عن الأستاذ أنيس حسن يحيى أنه لم يَفصِّل يوماً بين جوهر الإنسان البسيط عن المسئول الكبير والمثقف الوازن ذائع الصيت. في بيته البسيط، إلى جانب رفيقة عمره الأستاذة الفاضلة أم الخير التي ساهمت هي الأخرى في تعليم أجيالاً كثيرةً، كان هذا البيت يُجسِّد ذلك النموذج النادر من النخب التي آثرت الكرامة الهادئة على بريق الجاه الزائل.

رحل الأستاذ وهو يعلم أن الحروب أكلت ما بنى جيله. لكنه رحل كما عاش: بضميرٍ نظيفٍ، وسيرةٍ لا تحتاج دفاعاً، بل تقديراً... أعلى درجات التقدير.