الأربعاء 24 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • العيب بزريقة المقاطرة يذبح براءة الطفولة..!

العيب بزريقة المقاطرة يذبح براءة الطفولة..!

العيب بزريقة المقاطرة يذبح براءة الطفولة..!

يا وجع القلب!

يا حزن الإنسانية، ولعناتها أمام جثتك النحيلة يا ميمي!

كيف يتسع القبر الصغير لصرختك التي لم تبلغ سنوات الحلم بعد؟

وكيف انكمشت السماء فوق تعز والمقاطرة حتى لم تعد تتسع لضحكتك البريئة التي تلاشت بين فلاش هاتف جوال وسوط أبٍ نزع إنسانيته بيديه؟

في تفاصيل المأساة التي هزت عزلة الزريقة بمديرية المقاطرة تتجلى الحقيقة المُرّة في صورتين تختزلان الحكاية كاملة.

حكاية طفلة اغتالتها أيادي الجهل والتوحش، وقدمت براءتها قرباناً على مذبح وثنٍ اسمه "العادات".

وثن يصنع من "الستر" مقصلةً تُذبح عليها براءة الطفولة في كبد النهار.

نفتح هذا الملف اليوم بقوة الألم .. بعويل طفلة مخنوقة .. ببقع دم لم تجف بعد على جدران البيت الذي كان يُفترض أن يكون ملاذاً للمسكينة فصار مسلخاً مرعباً للطفولة المسلوبة.

إن هذه القضية ليست مجرد حادثة عابرة تُطوى بمرور الأيام.

هذه الحادثة هي ناقوس خطر يدق في وجدان كل إنسان ما زال يملك آخر ذرة من ضمير في هذا الوطن الذبيح.

هذه الحادثة صرخة إدانة ضد كل من يرى المنكر ويصمت عنه، وضد كل مجتمع يقدم إرضاء الناس على حساب دماء الأطفال الأبرياء المسفوحة بصمت تحت زغاريد فرح الانتصار لوثن العادات الملعونة.

قبل أيام كانت تزهو بكامل براءتها وحيويتها مرتدية فستاناً أبيضاً هادئاً (بدلة العيد الفائت).

تظهر في صورةٍ، وهي تضع يدها بعفوية على خدها ملامسةً وجهها، ومن عينيها يشع ذكاء ممزوجاً بالهدوء والسكينة والملامح الطفولية النَّقية الخالية من أي هموم أو انكسار.

ميمي بتلك البراءة والنقاء ذهبت لتشهد الفرح في قريتها، وبين أصابع يديها يلتصق هاتفٌ أخذت بعفوية تلتقط به صوراً، وفي يقينها أنها تخلّد مشاهدَ جميلة ظنت أن الجميع سيبتسم عند رؤيتها وتأملها.

لم تكن الطفلة تدري أن كاميرا هاتفها الصغير ستتحول إلى مرآة تكشف عورات مجتمع مريض، وأن فرح الزينة سيتحول إلى مأتم إنساني يُراق فيه دمها الطاهر.

فأي جرم ارتكبته هذه الملاك حتى يتسابق قطيع الظلام، وتافهو القرية لنهش لحمها بتلذذ خبيث؟

في البداية صادروا هاتفها، وبدلاً من الحكمة والستر، وحماية طفلة لا تدرك أبعاد التصرف يتبارون في نفخ النار، ويتسابقون بشحن والدها مجيب الزريقي، بـالملامات، والتأويلات، والغمزات، والهمسات المسمومة التي تقطر نفاقاً تحت مسمى "العادات والتقاليد التافهة".

لقد تحول هؤلاء إلى وعاظ مقاصل وصنّاع موت.

ذهبوا إلى الأب بوجوه تقطر خُبثاً يهمسون في أذنه:

ابنتك جلبت العار وعلينا تدارك الأمر.

كانوا المشحذ الذي شُحذ عليه الساطور حتى صار أحدّ من الشعرة.

كانوا المساق الذي ساقوا عليه الطفلة إلى حتفها المحتوم.

إن العفوية في زمن التوحش تصبح جريمة، والابتسامة في مجتمع الجهل تصبح خطيئة لا تُغتفر في عرف الأندال والمنافقين.

***

أسبوع كامل!

نعم سبعة أيام بلياليها، والطفلة تُضرب، وتُعذب، وتُسحل بأيدي والدها تحت تأثير تلك التعبئة المجتمعية الظلامية.

أسبوع كامل وهي تعاني الخوف، والجوع، والعطش.

أسبوع كامل وأنينها يقض جدران المنازل، وأزقة القرية، ويتدفق بمدارب سيول الجبل، ويُبكي قلعة المقاطرة، ولكنه لا يحرك عبرات قلوب أوناسٍ عمياء صماء داخل صدورهم.

لكم أن تتخيلوا طفلة بعمر الورد تُحرم من جرعة الماء.

تتلوى تحت السواطير، والأسواط، وتُحرم من اللقمة.

تبكي مستغيثة لا تدري لمَ يعاقبها من كان يُفترض أن يكون أول حامٍ لها.

آخر حصن يدفئها، ويسندها في هذه الحياة التي خلقها الله لتعيشها إلى حين اكتمال أجلها لا أن يذبح أجلها بين يديه ببرودة وخبث حيواني لا أثر فيه لذرة من الإنسانية.!

أسبوع والأب يفرغ جهله وخبثه وحقده وإجرامه في جسدها الغض الطري فقط، ليرضي تافهين ليس فيهم أي شرف أو حتى ذرة رجولة فقط لكي يبقوا هم على قيد الحياة يمارسون نقصهم الإنساني، وحقارتهم وتفاهتهم الاجتماعية، ولم يتوقفوا حتى فارقت الطفلة المسكينة البريئة الحياة.

قتلتها وحشية أبٍ خاف من أللسنة الناس ولم يخف من ربِّ الناس.

خاف من غمزات الجيران، ولم تهتز فرائصه من هول الجريمة والاعتداء الوحشي الجبان.

سيلاحظ من يتطلع لصورة أخرى بعد مفارقتها للحياة كيف انقسم المشهد فيها إلى جزأين يُظهران الحالة المأساوية التي آلت إليها الطفلة عقب وفاتها جراء ذلك التعذيب الشديد.

في الجزء العلوي من الصورة يبدو جسدها النحيل ممدداً بملابس النوم.

وفي الجزء السفلي تظهر ميمي وهي فاقدة للحياة تماماً على فراش الموت.

وبين صورتها وهي حية، وصورتها وهي ميتة يبرز التناقض الصادم، والمؤلم بين بهجة الحياة، والأمان المفترض الذي كانت عليه في الصورة الأولى وهي بملابس العيد، وبين مصيرها المأساوي المفزع في الصورة الثانية بعد أن تحول الأب إلى جلاد بلا قلب ولا رحمة.

أين كانت تذهب تضرعاتها في كل ليلة..؟

وكيف لم تكسر صرخاتها كبرياء ذلك الطاغية الجزار للإنسانية.؟

إن كل سوط كان يقع فوق جسد ميمي إنما كان يقع في ذات الوقت على جسد الإنسانية برمتها.

كل صوت كان يعلن موت الضمير الجمعي في عزلة الزريقة المنسية من الأرض.

***

يا ترى كيف كان حال أمها المكلومة..؟

ماذا كانت تقول..؟

أي لسان يستطيع أن يترجم وجع أمٍ رأت قطعة منها تسلخ وتسحل أمام عينيها؟

الأم اليوم لا تبكي فقط..!

إنها تنزف قهراً يحرق الوجدان، ويهد الجبال الراسيات.

ماذا عساها أن تقول، وهي التي حملتها تسعة أشهر، وأرضعتها حولين كاملين، ورأتها تحبو، وتنمو، وتتلألأ كنجمة بين يديها، وقبل أيام كانت تسرح جدائل شعرها حينما زارتها، وتتخيلها ملكة جمال القرية، خاصة بعد أن رأتها لابسة بدلة العيد فرحاً، وترى الابتسامة على وجهها الصغير الجميل تضيئُ أيامها، وتزيح عن كاهلها تعب الأيام وضنكها؟

لا ريب أن أمها تتساءل في سرها وعويلها المكتوم:

بأي ذنب قتلتم طفلتي؟

كيف طاوعتك يدك على قتلها، وأنت ترى دموعها تنحدر على خديها؟

لماذا لم تشفع لها بدلة عيدها البيضاء الطاهرة؟

كيف عشتُ أسبوعاً أسمع أنينها، وعجزتُ أن أفتديها بروحي ودمي؟

غسلوها بدمها، وحرموني حتى من وداعها، وزادوا وكذبوا حين قالوا إنها انتحرت!

قتلوا ابنتي، وقتلوني معها.

لا شك أن أمها الآن تواسي نفسها، ولسان حالها يقول:

_ لعنة دمك يا ميمي ستحرق كل من تآمر، وحرض، وتستر في هذه القرية الملعونة بنفاقها وتناقضاتها المقيتة.

إن هذه البقعة من المقاطرة بلغت فيها السفالة، وانعدام الشرف مراتباً غير مسبوقة خاصة في الحجرية لأنهم زادوا على القتل نذالة ما بعدها نذالة تعكس حقارتهم حين رأوا جثتها الهامدة، وبدلاً من إعلان الندم والاستغفار، جلسوا يخططون مع شياطينهم ليفبركوا سيناريو انتحار طفلة في سن العاشرة لم تعرف من الدنيا بعد سوى اللعب وعفوية الفرح.

يالها من محاولة خبيثة بائسة لإنقاذ جلاد إرهابي لطمس حقيقة أوضح من الشمس في رابعة النهار.

***

ترى ماذا يقول إخوتها الآن..؟

إخوتها الذين كانوا يلعبون معها بالأمس في أزقة الزريقة.

ماذا يقولون الآن وهم ينظرون إلى سريرها الفارغ .. وإلى بدلة عيدها الملطخة بالدم والدموع..؟

ماذا يقولون وهم يرون ذكريات طفولتهم تدفن معها في ثرى قبر مظلم.؟

حتماً يقولون برعب طفولي كسر أنفسهم للأبد:

_ كنا نظن أن البيوت أمان، وأن الآباء يحمون الأطفال من وحوش الغابة الضارية، ولكننا اليوم نمسي، ونصبح، نبات ونضحى خائفين من ظلالنا .. من جدران بيتنا الشاهد على بشاعة المأساة.

أختنا ميمي لم تخطئ .. فقط كانت تريد أن توثق الفرحة.

لماذا أخذوها إلى القبر المظلم سريعاً..؟

ولماذا يتحدث الجيران عنا بهمس مريب..؟

كيف سنكبر في مجتمع ذبح أختنا وصديقتنا لمجرد أنها التقطت صورة..؟

نعم ذلك الرعب سيسكن زوايا نفوسهم طوال العمر لأن أمانهم الأسري تحول إلى مسرح جريمة مرعبة، وصار الأب مجسداً للموت، والبطش، والغلظة بدلاً من الحنان والحماية والرعاية.

كيف سيتنفس هؤلاء الأطفال الصغار الطمأنينة بعد اليوم..؟

وكيف سيثقون في عالم غدر بأختهم أمام أعينهم، وهم عاجزون عن الحركة..؟

***

أيها المجتمع الصامت:

صمتكم وتفرجكم هو الكفن الحقيقي الذي لُفّت به ميمي، وزُفت به إلى مثواها الأخير.

أيها المجتمع الخبيث:

متى وكيف، ولماذا حولتم العيب إلى آلة جهنمية لإنتاج الموت والدمار؟

يا أبناء المقاطرة.. ترون الظلم يُمارس ضد الأطفال، والنساء وأنتم ملتزمون الصمت بمبرر (بيوت الناس أسرار ولها حرماتها).

وحين تُزهق روح بريئة تبحثون للمجرم عن أعذار غبية سخيفة (كان يربيها)، أو حماية شرف العائلة المزعوم.

أي شرف هذا الذي يُبنى على جثة طفلة نحيلة بريئة محطمة مهشمة..؟

***

أين أنتم يا رجال القانون، والأمن، والقضاء في تعز والمقاطرة..؟

كيف تتعمدون تغييب هيبة الدولة، والعدالة الحازمة حين دُفنت طفلة مقتولة غدراً تحت مسمى الانتحار دون تحقيق فوري وشامل؟

إذا مرت هذه القضية دون نبش للقبر، دون عرض الجثة على طبيب شرعي يفكك لغز الكسور، والنزيف، فإنكم تعلنون بوضوح ملعون أن دماء الأطفال رخيصة بلا ثمن، وأن القانون يُهزم أمام سلطة القبيلة، والتستر الاجتماعي المريض.

إن بقاء الجاني حراً طليقاً أو محاولة تمييع القضية عبر صلح قبلي مهين هو طعنة في خاصرة العدالة، وإجازة علنية لوأد البنات في عصرنا الحديث تحت مسميات شتى.

يجب على الأجهزة الأمنية أن تتحرك فوراً، وأن تضرب بيد من حديد على يد هذا الأب القاتل، وعلى أيدي كل من ساندوه، وحرضوه، ووفروا له الغطاء الاجتماعي، والديني الزائف لارتكاب هذه الموبقة الكبرى.

***

أوجعتنا يا صغيرة تعز والمقاطرة.

وجع يثقب الصدور ويهز أركان الإنسانية والوجدان.

ميمي يا وجعاً يستوطن القلوب، ويبكي الحجر والجماد لدى كل من سمع بمأساتك.

مثلك يا صغيرتي لا يُقال له

الله يرحمك.

مِثلكِ طفلة طاهرة.. بريئة.. شهيدة .. ضحية غدر الجهل، والنفاق الاجتماعي المستشري.

مثلك.. قضيته أمام الله واضحة جلية.

لا تحتاج إلى محامين .. ولا شهود زور .. ولا تحريات قاصرة أو تقارير ملفقة.

لقد صعدتِ إلى ربٍ رحيم بعباده..

جوار ملائكة تشبهك في طهرها ونقائها.

تركتِ لنا هذه الدنيا بعفنها، وعاداتها التافهة، وظلامييها الذين يستبيحون الضعفاء بلا وازع من دين أو إنسانية.

لن يضيع الدم الطاهر طالما هناك أصوات .. وأقلام.. وصحف حرة ترفض الظلم وتأبى الاستسلام.

سيظل اسمكِ ميمي سوطاً يجلد ضمير كل مسؤول في تعز والمقاطرة.

سوطاً يلاحق أولئك التافهين الظلاميين الذين حرضوا والدك وأوصلوه إلى هذه الوحشية المفرطة، والبلادة الإنسانية.

قضيتك هي قضية كل الذين ما تزال الإنسانية حية في ضمائرهم.

قضيتك هي مسألة كرامة مجتمعية وأخلاقية.

معركتنا اليوم هي أن يرى الجميع الأب القاتل، والمحرضين الأندال وراء القضبان الحديدية لينالوا جزاءهم العادل، والتعزيري الرادع في الدنيا قبل الآخرة، ليكونوا عبرة لكل من تتجرأ نفسه على المساس بالطفولة أو شرعنة العنف الأسري الأعمى تحت أي مبرر كان.

نامي قريرة العين يا ميمي في علياء طهرك ونقائك مع الصديقين والشهداء.

ستبقى بدلة عيدكِ البيضاء شاهداً حياً أبد الدهر على مجتمع ذبح طفولته وبراءته بيديه الآثمتين.

ستظل لعنة دمكِ البريء تطارد كل من تآمر، وحرض، وصمت، وتستر، وتخاذل عن نصرتك حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.