الوحدة اليمنية كأصل تاريخي بين ميلاد الدولة ووأد المشروع الوطني
يكثر الحديث اليوم -عن قصد أو بدون قصد- حول الوحدة اليمنية وكأنها الفرع لا الأصل في الحقيقة التاريخية، إذ يسقط كثيرون بدون وعي في وهم الزعم بأن الأصل التشرذم، وأن جنوب اليمن زُجّ قسرًا في ما يُسمى اليمننة، مع أنه جنوب عربي، وحجة هؤلاء قيام مشيخات منفصلة في جنوب اليمن لا تخضع للسلطة المركزية في صنعاء، قبل اجتياح البريطانيين لجنوب اليمن سنة ١٨٣٩م. والحقيقة التاريخية التي يغفلها مثل هذا الزعم، أن هناك خلطًا في توظيف مصطلح الجنوب العربي، فدلالته اللغوية تشير صراحة لجنوب الجزيرة العربية، هذه الرقعة الجغرافية تنطبق على اليمن الذي يضم الشطر الجنوبي الغربي منها، من حيث الموقع الجغرافي، أما البُعد السياسي والتاريخي فالأصل الوحدة لا التشرذم، فاليمن بوصفها دولة نالت استقلالها مبكرًا على مستوى الوطن العربي من الدولة العثمانية عام ١٦٣٥م، وضمّت كافة أراضي اليمن الطبيعية والتاريخية من ظفار عمان شرقًا، إلى القنفذة شمالًا، وهذا ليس ادعاء أو تحيزًا في العرض، بل واقعة تاريخية لا غموض فيها، كما تثبتها الوثائق والمخطوطات المعاصرة لتلك الفترة التاريخية.
فالأصل أن اليمن بقيت كيانًا مركزيًا واحدًا رغم تبدل العواصم التي أدارته من شهارة، وضوران، والمواهب، وصنعاء، لتشكل مساحة جغرافية واحدة، وبما أن الصبغة الاجتماعية يغلب عليها النزوع القبلي الذي يحمل ميلًا استقلاليًا حين تتهاوى الدولة المركزية، لا يعني البتة أن هذا الفرع التفكيكي هو الأصل، بل النقيض تمامًا، فكلما قويت الدولة المركزية انصهر الفرع التفكيكي فيها، وهذا الإسقاط الذي عاشته اليمن عشية سقوط الدولة القاسمية وانقسام اليمن إلى بؤر نفوذ متفرقة، وعلى رأسها أقاليم اليمن الجنوبية، التي استقل بحكمها ولاة الدولة القاسمية، ليؤسسوا لأنفسهم سلطنات بعيدًا عن سلطة الدولة المركزية التي وهنَت ومن ثم تلاشت قوتها السياسية وغدت قوى هزيلة متفرقة يدّعي كل سلطان أحقيته في الحكم بعيدًا عن أي ضوابط أخرى، وهذه النزعة المفرقة للبنية السياسية اليمنية، بفعل أفول الدولة الدينية، التي عجزت عن تلبية مقتضيات الظروف، والتوجه صوب تأسيس دولة وطنية تحقق أدنى شروط الوحدة السياسية الجامعة، فبرزت الأطراف تعلن عن هويتها بعيدًا عن المركز.
أدركت بريطانيا أن الجوهر الأصل في اليمن الوحدة كحقيقة تاريخية، فبنت على النقيض مشروعها الاستعماري باجتياح مدينة عدن سنة ١٨٣٩م، لتصنع واقعًا سياسيًا جديدًا تجعل من الفرع التفكيكي الأصل، وتطمس الأصل التاريخي الوحدوي، ليس هذا فحسب، بل تعميق الشرخ بين الشمال والجنوب، وتأجيج الفرقة المذهبية، بزعم أن الشمال زيدي، والجنوب شافعي، لسد الطريق أمام أي اندماج لاحق، كما كان قائمًا في عهد الدولة اليمنية المستقلة "الدولة القاسمية"، لأن أي توافق بين اليمنيين من شأنه تهديد مصالحها، بل تهديد وجودها في جنوب اليمن ذاته، وبما أن الأمر ينطوي على خطر عليها، سعت بكل جهد لقلب مفهوم مصطلح الجنوب العربي الذي يدل على اليمن عمومًا، وتقليصه ليغدو اسمًا مستحدثًا لكيان سياسي جديد يدور في فلكها بعيدًا كل البعد عن مسمى اليمن، لتعمّق الانقسام وتمنحه صبغة استقلال وتجذره بعمق لتمنع أي تقارب وحدوي مستقبلي بين اليمنيين.
إن ولادة الدولة اليمنية الوطنية في ٢٦ سبتمبر سنة ١٩٦٢م، أحدثت تحولات سياسية عميقة في الوعي اليمني الوحدوي، إذ مثّلت الثورة امتدادًا قوميًا عربيًا مناهضًا للاستعمار وداعمًا للوحدة، وكان من نتاج ذلك بروز الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل سنة ١٩٦٤م، التي حملت على كاهلها إعادة تصويب مسار النضال وتحرير جنوب اليمن من الاحتلال، واجتثاث المشروع الانفصالي، وإرجاع الأمور إلى أصلها بأن الأصل في اليمن الوحدة لا التفتيت، وكان من ثمار هذا الإدراك السياسي لقيادات الجبهة القومية التوصل إلى تفاهمات حول الوحدة مع قيادات الشطر الشمالي، الذين استحكمت فيهم النزعة الانفصالية أكثر مما كانت عليه الأمور في جنوب اليمن قبل الاستقلال، والسبب كامن في هواجس سياسية لديهم من النظام السياسي في جنوب اليمن ذو النزعة اليسارية الاشتراكية، وكلّفت تلك الرؤية الضيقة الوطن سنوات من التنازع والتنافس وتأخير مشروع الوحدة بين الشطرين، رغم الإدراك المبكر أن قيام النظام الجمهوري في كلا الشطرين، وتعاون اليمنيين في الشمال والجنوب على بناء وحماية الأنظمة الجمهورية فيهما، كان كفيلًا بولادة الوحدة اليمنية مبكرًا، ومع ذلك ظل مشروع الوحدة أسير حسابات دولية بفعل التنافس بين الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي حتى انتهت الحرب الباردة بينهما، فزال معها العائق الذي منع إنجازها، فاجتمع اليمنيون بإرادة ذاتية بعيدًا عن الإملاءات الخارجية، ورسموا مصيرهم الواحد في ٢٢ مايو سنة ١٩٩٠م.
والخلاصة: إن ما نعانيه اليوم من تشرذم وتفكيك وبروز نزعات انفصالية هنا وهناك ليس إلا عارضًا سرعان ما يضمحل عندما تتوفر الدولة الضامنة للحقوق والحريات والمساواة بين كل أبناء اليمن دون تفريق على أساس سلالي، أو طائفي، فالجميع أبناء هذا الوطن لهم حقوق وعليهم واجبات، في الدولة اليمنية المأمولة التي تحقق تطلعات اليمنيين في العيش بكرامة بعيداً عن الشعارات السياسية الانفصالية، والأيديولوجيا الدينية المتشددة، والمشاريع السياسية الضيقة، وبعيدًا عن الارتهان للخارج، والتوجه صوب بناء يمن لكل أبنائه، فما أحوجنا أن نستبدل الكلاشنكوف بالأقلام لأبنائنا في المدارس عوضًا عن المتاريس بين الإخوة، ونوجد بيئة يمنية تؤمن بالتعايش والسلام بيننا كيمنيين والمضي صوب غدٍ أفضل، فمشروع اليمن القوي المنتج لا يتحقق إلا باصطفاف كل أبنائه لتشكيل تكامل وبناء بنية موحدة عنوانها الجوهري الأخوة.
والسؤال المحوري هل نحن قادرون على إنجاز ذلك؟ وإلى أي حد نسعى للبلوغ إليه؟ وهل تمتلك النخب السياسية المتصدرة للمشهد السياسي اليوم الشجاعة السياسية لتقديم تنازلات من أجل اليمن؟ وهل أدرك الجميع بعد كل هذا الانقسام مدى حاجة اليمنيين للسلام والاستقرار؟
