الثلاثاء 16 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • الجنوب بين صراع النفوذ وتراجع دور الشرعية

الجنوب بين صراع النفوذ وتراجع دور الشرعية

تشهد الساحة الجنوبية، خلال اليومين الماضيين، تصعيداً سياسياً وإعلامياً لافتاً قاده الشيخ عبدالرب النقيب ووضاح الحالمي، اللذان يعدان من الشخصيات الداعمة للمجلس الانتقالي الجنوبي ورئيسه عيدروس الزبيدي. وقد حملت خطاباتهما رسائل حادة تجاه المملكة العربية السعودية وحلفائها في الجنوب، والشرعية اليمنية، وحزب الإصلاح الإخواني، وهو ما أعاد إلى الواجهة حجم الخلافات المتراكمة داخل المعسكر المناهض لسلطة صنعاء، وكشف عن وجود صراع يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية إلى صراع على النفوذ والتمثيل ومستقبل الجنوب نفسه.

ويبدو أن هذا التصعيد يرتبط بحالة التنافس المتزايدة حول المحافظات الجنوبية، وفي مقدمتها حضرموت، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مركز ثقل سياسي واقتصادي وعسكري بالغ الأهمية. فالمجلس الانتقالي يسعى إلى توسيع حضوره ونفوذه خارج عدن ولحج والضالع وأبين، باتجاه حضرموت والمهرة وبقية المناطق الجنوبية، مستنداً إلى ما يملكه من حضور سياسي وعسكري ودعم إقليمي، بينما ترى قوى جنوبية ومحلية أخرى أن هذه المحافظات لا ينبغي أن تخضع لهيمنة طرف واحد، مهما كانت شعبيته أو حجم نفوذه.

ويعكس التصعيد الأخير أيضاً وجود تباين متزايد بين بعض توجهات المجلس الانتقالي والرؤية السعودية لإدارة الملف الجنوبي. فبينما تحرص الرياض على الحفاظ على توازنات معينة داخل المحافظات الجنوبية، وعلى بقاء الغطاء الشرعي الذي يمثله مجلس القيادة الرئاسي، تسعى قوى داخل الانتقالي إلى فرض وقائع سياسية جديدة تمنحها موقعاً متقدماً في أي تسوية قادمة. ولذلك لم تعد المواجهة مقتصرة على الخصومة مع حزب الإصلاح أو مع بعض القوى المحلية، بل امتدت لتشمل انتقادات مباشرة وغير مباشرة للدور السعودي وحلفائه في الجنوب.

وفي خضم هذه التطورات، تبدو الشرعية اليمنية برئاسة الدكتور رشاد العليمي خارج دائرة التأثير الحقيقي في كثير من الملفات الجنوبية. فعلى الرغم من الاعتراف الدولي بها، فإن معظم التحركات المؤثرة على الأرض باتت تصنعها القوى المحلية المدعومة إقليمياً أكثر مما تصنعها مؤسسات الدولة. ويكشف ذلك عن حجم التآكل الذي أصاب الشرعية خلال سنوات الحرب، وعن اتساع الفجوة بين السلطة الرسمية ومراكز القوة الفعلية التي تدير المشهد السياسي والعسكري في الجنوب.

وفي المحصلة، فإن ما يجري اليوم لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد سجال سياسي عابر أو خلاف إعلامي مؤقت، بل هو انعكاس لتحولات أعمق تتعلق بمستقبل الجنوب وموقعه في أي تسوية يمنية شاملة. فاستمرار الصراع على النفوذ، وتفاقم الخلافات بين القوى الجنوبية، وتراجع دور الشرعية، كلها عوامل قد تدفع نحو مزيد من التعقيد في وقت تتزايد فيه الجهود الإقليمية والدولية للبحث عن مخرج للحرب. كما أن تحويل الجنوب إلى ساحة تنافس بين المشاريع المحلية والإقليمية المختلفة لن يؤدي إلا إلى إضعاف فرص الاستقرار، وإطالة أمد الأزمة اليمنية، وتعقيد مسار بناء الدولة في المستقبل.