عبدالرحمن منيف وروايته مدن الملح: بادية الظلمات.. الجزء الخامس والأخير (الحلقة الثالثة)

ليفي شاوات أبرمَ صَفقةَ سِلاح مَعَ موران، وَفَكَّر في شِراء مَزرعة في كاليفورنيا. يتناول الحَديثَ مع غزوان، واتفقا أنْ يَبدآ عَملًا مُشتركًا.
وليفي ليسَ مُجرَّد بائع، وَإنَّمَا رَجُلُ أعمال بإمكانه أن يُؤمِّنَ كُلَّ شَيء من الإبرة إلى الطائرة(1).
أسَّسَ ليفي شاوات «الشركة العالمية للاستيراد والتصدير»، وكانت اليانور سكرتيرة الشركة.
أعقبت زيارة الأمير راكان للأمريكان أن أبرَمَت الشركة العالمية صَفقتين: توريد مائتين وخَمسينَ فَرسًا، ومئة ألف طَنّ من الطَّحين، وكانت الأرباح مُجزِيَة؛ رغم التَّعَب، وَكَانَ جهاز الأمن يرغب في صفقة إضافية للاتصالات.
مسؤولو تلك البلاد في لحظة نشوة؛ يُعطونَ وُعُودًا لا يعنونها. شَعرَ ليفي بعدم الوفاء بالوعود.
روبرت يونغ يعرف موران جَيدًا. كَانَ له مكتب للاستشارات الاقتصادية والقانونية، وموظف في شركة نفط موران.
وَقَّعَ ليفي مَعَهُ عقدًا للعمل مَعًا، ولكنه عندما سَمِعَ بتنحية خزعل؛ نَفضَ يَدهُ من الاتفاق.
غزوان لم يعرف بإبعاد خزعل إلا من اليانور.
قال روبرت يونغ، وهو يلغي الاتفاق مع ليفي: «وَلأني لم أكن من أصدقاء العهد السَّابق، لا أريد أن أكون من أعداء العهد الجديد.. هذه هي المسألة يا مستر شاوات، وأرجو ألا تسألني لماذا»(2).
وَصَلت الخَيل في زمن اشتداد المَجَاعة والقحط. تَحرَّكَ النَّاس لقصر الأمير، ولكن الأمن مَنعهم من الوصول، وَاعتقلَ البعض، وَعَمَّ الجوع موران كلها، وأرسلَ أمراء المناطق يطالبونَ بتوفير الطحين؛ حينها تَركَ السلطان «قصر الغدير»، وَانتقلَ إلى «قُصُور الخالدية»، وَاشتَغلَ حَرس القصر بالبيع والشراء.
شمران العتيبي زَارَ القَصرَ، وَاستغربَ من حَال الحرس المزري الذين يبيعون الملابس والأرزاق التي تَصِل، ويَصِفَ حال الخيول المُشتَراة، ويلاحظ أنَّ بعضها من موران، وبعضها جرى تزييف أنسابها، وحالة التعب على وجوهها.
خطب الحكيم في الاحتفال الذي أقيمَ للخيل «هذه العتاق المطهمة الأصلية فَخرٌ لموران، وَلِمَا جَاورَهَا.. إنها كريمة الأحسَاب، عَريقة الأنسَاب؛ على ظهورها يًعقَد النَّصر، وبها تَرتفع رَاية الحقّ. إنها ذِكرٌ لهذا اليوم، وَلِكُلِّ يَوم؛ أو كما قال صلى الله عليه وسلم: الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة»(3).
قال شَدَّاد المطوع لابن أخيه: «ترى الناس جَاعَت يا حَمَّاد، وضاقت أرواحها. وبدل ما ترموا فلوسكم في التُّراب، أطعموا العباد، ويلزمكم تعرفوا حَدَّكُم»(4).
أشعلَ السلطان الخلاف بين رجلي الدين: العجرمي، وابن شاهين، ولكنه بعد الزواج من ابنة العجرمي تَغيَّرَ الحَال.
حَمَلَ ابن البخيت كتاب «السلوك لمعرفة دول الملوك»، وَفَتحَ على الصفحة رقم (240)؛ ليقرأ شَغفَ السلطان. بـ«كِيرَا»- جارية من جواريه؛ اشترى لها زريبة بمئة ألف درهم، ومع انتشار الغلاء حَدَّ الجنون، واختلال الأمن في القاهر والقدس ونابلس.
أنعمَ السلطان على مَحظيتهِ بعشرين ألف دينار، سِوَى الجواهر واللآلئ، ونثر الذهب على الخُدَّام والجواري؛ فقتله أمراؤه.
وَكانَ ابن البخيت يُسقِط الحالة على أوضاع موران في عهد خزعل (الكاتب).
تنحية خزعل كَانَ لها الأثر على الشركة العالمية للاستيراد والتصدير. وروبرت يونغ شَعرَ بالخديعة نتيجة ما حَدَث، أمَّا ليفي- رئيس مجلس الإدارة؛ فَأصِيبَ بالارتباك والحيرة، وغزوان في مأتم.
اليانور وَقَفت بدافع الشَّفقَة إلى جانب غزوان؛ مُقدرةً حالته.
سَافَرَ يونغ إلى موران؛ فَلَهُ سَابق معرفة بفنر؛ التقى به عِدَّة مرات، ويعرف ابن عليان.
يقدم يونغ وَصفًا مُدهِشًا، وغاية في الروعة لمدينة موران التي عَرفَهَا من قبل.. يشبهها بالطيور الإفريقية؛ مزركشة جِدًا، لكن دون جَمَال.
الطراز القديم إلى جانب الطراز الحديث جِدًا، إلى جانب الزجاج العاكس الأندلسي، إلى جانب الياباني الهندي، إلى جانب ناطحات نيويورك.
القصر الواحد مزيج من عدة قصور، ومن عدة أماكن(5).
ويراها مدينة تصلح لأن تكون مُعسكرًا لجيش منتصر.
يُرَاهِن على تحقيق هدف معين، وَيَرَى أنَّ المدينة وُجِدَت في غير مكانها وزمانها، ويتعمق أكثر في قراءة ونقد التشوهات التي لحقت بالبشر.
تَلقَّى غزوان ثلاث مكالمات من موران: مِنْ حَمَّاد المطوع، وَكَانَ وَدودًا، ومن الأمير راكان الذي بدا مُتهلفًا للقاء غزوان، وكانت المكالمة الثالثة من مكتب وزير الداخلية، وشارك فيها راكان، وفيها عتاب، ودعوة للوصول.
التقى غزوان بروبرت في فندق موران الكبير، كَمَا التقى السلطان فنر الذي قال له: «يا غزوان لا نريد نحملك أخطاء غيرك».
وَطلبَ إليه راكان توقيع عقود لتسليح الجيش.. لبناء البلد.. لاستيراد مواد كثيرة..
«نريدك معنا.. نريدك تساعدنا»(6).
بَعدَ أن عَادَا مِن سَهرةٍ أقامها لهما الأمير راكان..
«الإنسان؛ خَاصَّة الأجنبي في هذه البلاد، لا يعرف ماذا عليه أن يفعل، أو ما هو الشيء الصحيح.
في الولايات المتحدة تعرف لمن يجب أن تدفع، ولماذا، أمَّا هنا فَلا بُدَّ أن تدفع إلى أناس مجهولين؛ لأن غيرهم هم الذين يظهرون أمامك؛ وهؤلاء لا يَعنونَ شَيئًا إنهم مجرد مراسلين، أما الآخرون...»(7).
تهتم «فريزة خانم» بتقديم النصائح لابنتها، بعد تولي فنر الحكم، وتشكو ثروت إلى أمها أنَّ حالهم كزوجين قبل التولي أفضل؛ لانشغاله الدائم، والمخاوف من تهديدات خزعل.
يَجري التركيز على غزوان؛ لإبعاده عن أبيه. وتروي فضة حكايات لأبنائها حول طبيعة العلاقات بين الأخوة؛ دَاعيةً إلى توحدهم وتصافيهم.
وراكان يَحُضُّ إخوته الأربعة الكبار على التمسك بالسلطة، وعدم خروجها من أيديهم، وَالتشاور مَعًا، وعدم خروج خلافاتهم.
قالت نعوم، وهي تنظف الحمام: «موران مثل حَمَّال المِلح؛ بس يريد يخلص من حمله، حتى لو غرق بالماء»(8).
أملاك الحكيم تُسَلَّم لأبنائه؛ شرط أن تُنقَلَ إليهم(9).
يَسأل حَمَّاد أبو شكيب عن الحكيم؛ فيهون من شأنه. فسعيد الأسطه يعرفه جَيدًا.
يبعث السلطان لخزعل عدلة، وخمسة من أولاده، وَيُوصي السلطان حّمَّاد بزرع الخلاف والشكوك بين الجميع، ووضع الكُلّ في مَواجهة الكُلَّ؛ والأهم عدم ثقة الأخ بأخيه.
وَيَرَى السلطان أنَّ أولاد الأمراء مثل الحريم ما تموتهم إلا الغيرة؛ الواحد منهم ما يقدر يشوف غيره عنده أكثر منه، أو أحسن منه(10).
تَخَوُّف وداد من سرقة الأموال الطائلة التي حَصَلتْ عليها، وَتَدفعُ لتوظيفها مع سعيد الأسطة.
ويشتكي ابن الفريح من التحويلات الباهظة للأمراء؛ فقد صُرِفَت للأمراء أربعون سيارة كاديلاك(11).
قَالَ السلطان لعدد من إخوته: «ما أريد سوالفنا تُطرح بسوق الغزل، أو بالسوق العتيق.. أنا شايف أبوي يأمر بقصّ أذان ثلاثة من العبيد، ولسان الرابع؛ يسولف لهم عن واحدة من حريمه»(12).
«ما أريد أوصي ولا أهَدِّد.. كل واحد يعرف حَدَّه، ويقف عنده. أهل موران ما يعرفوا غير السوالف؛ ما يفيد معهم عيني وأغاني.. هذول ما يجون إلا بالعصا، والعين الحمرا، ولا زم يتأدبوا»(13).
قال راكان: «عصر السوالف راح، والقهاوي اللي يجتمع فيها التنابل والسرسرية واللي ما عندهم إلا نقل الكلام= ما ظل لها أثر»(14).
قال سند؛ وهو واحد من الإخوة يفضل أن يقضي معظم وقته في البادية، ولا يأتي إلى موران إلا في أوقات متباعدة: «لا تضيقوا يا عباد الله أكثر على أهل موران، ولا يخدعكم اللي حولكم، واللي ما يسولفوا إلا السوالف اللي تعجبكم»(15).
يقول شَدَّاد لابن بخيت عن حماد: «قَبلَ أيام سألته شلون الدنيا يا حماد؟».
رَدَّ: «الدنيا بألف خير. الناس سَاكتة، وكل واحد يركض ليل نهار؛ حتى يؤمن خبزته؛ وهذا اللي نريده».
«قلت له: لا تدوسوا على ذيل الناس أكثر مِمَّا يحتملون، ولا تظنوا السُّكُوت رِضَا؛ لأنَّ الديرة اللي أنتم فيها اسمها موران، ويلزم الواحد يعرفها زين، وإلا أخذته ريحها»(16).
«قال المُسِنُّون: من يريد أن يعيش في موران عليه أن يألف هواءه.. وهم يعنون أشياءَ كثير.. لم يقصدوا الحَر والبرد؛ وَإنَّمَا قراءة رياحها»(17).
«المدينة خَادعة؛ تعرف كيف تلتقط الإشارات، وكيف تتحرى الوقائع؛ تقرأ الكراهية في العيون قَبلَ أن تسمعها؛ كلمات، أو فرقعة رصاص»(18).
بدا، وَكأنَّ موران تَعِبت، ولكن العيون لا تتعب من المراقبة، أمَّا الأذان؛ فَكَانت متجهة نحو الرِّيح»(19).
بدأ الحديث عن خلافات داخل الأسرة، وعن تفشي السَّرقَات داخل القصور: سرقات تَطالُ كُلَّ شَيء؛ في حين تُطَبَّق أحكام السَّرقَة على فقير سَرقَ حِمارًا؛ ليبيعَ به الماء للبدو.
ينتقد السلطان كتابات مطيع شخاشيرو- قريب الحكيم لكتابته عن سباق الخيول، ويطلب من يونس شاهين، ويفوضه لإجراء تغييرات في الخطاب.
«خطاب.. موران على كُلِّ الشفاه. الحق ينراد له سيف قوي، ورجل سخي، ولسان ما هو عيي»(20).
يعلق يونس: «هذه الكلمات القليلة يا صاحب الجلالة تُمثِّل كُلّ شعارات السلطة وعناصر قوتها، ولا بد أن تكون مبادئ موجهة»..
«هذه القضية موضع الخلاف بيني، وبين هاملتون: «كنت أقول له: إنَّ البداوة تَحمل من القوة والأصالة والبداهة مالا تحمله أيّ بيئة أخرى، وإنَّ البدو، ورغم بساطتهم، فقد وصلوا إلى الحقيقة- الجوهر»(21).
قَالَ السلطان: موران أصل البدو، وحِنَّا أصل العرب، والإسلام بليانا مَا هُوْ بشيء»(22).
ويأتي الحديث عن وكالات السيارات، والتنافس على الوكالات: رضائي، وابن العليان، وتدخل أطراف أخرى.
ويغري السلطان أولاد خزعل بالتسابق في الحصول على الموديلات الأكثر تطورًا وَسُرعةً، والسباق بها، والموت.
الشركة العالمية تبني عَشَرةَ جُسُور، وتطمح في الحصول على ترخيص بتوريد السيارات، وبناء مستودعات، وألبسة للجيش؛ وإذا ما نجح روبرت يونغ؛ فيعتبر القدر يحارب معهم، وتتعمق ثقته بغزوان الأقدر على الإقناع.
اكتُشِفَ تنظيم في الجيش؛ فَجُنَّ جُنونُ السلطة. وَبَّخَ السلطان حَمَّاد؛ لأنَّ الذي اكتشف التنظيم الأمريكان، وليس الأمن والسلامة.
أنَّبَ حَمَّاد على الاهتمام بالمقاهي، والسراسرة، وعمير، وإغفال الضُّباط الذين هم الأخطر.
يَتحدَّث كبار الأسرة: راكان، وميزر، ومساعد عن الحَسَد، وطمع الناس فيهم، وَاكتُشِفَ خمسة من أولاد العبيد؛ مِمَّن التحقوا بالجيش منخرطين في التنظيم.
يَطلب السلطان من يونس التركيز على حَسَد الآخرين، وأنَّهم دَائمًا تحت الخطر، وتطلعات أولاد الفلاحين بعد أن حملوا الرُّتَب العسكرية، واعتقدوا أنهم قادرون على التغيير. ويعد يونس بإعداد خطة.
اجتاحت حُمَّى التغيير موران، مع تزايد الأموات، والتنافس بين الأمراء في بناء القصور.
بَقِي فنر في «قصر السعد»، ولم يغير فيه شَيئًا. دَأَبَ يونس شاهين على تعبئة الرأي العام، وَعَمِلَ على إعادة صياغة الأفكار والمفاهيم، وَلَكنَّهُ بدأ يَحُسُّ بالشيخوخة، والحرائق من حول موران بدأت تتسع وتشتد.
قَالَ له السلطان: «معركتنا الآن طويلة: مناطحة الكباش. نصل إلى الحرب، أو الاتفاق».
ديفيد برادلي كان ضمن الوفد الذي زَارَ موران بدعوة من القصر.. زَارَ عِدَّةَ أماكن..
كَتبَ: إن البلاد التي كانت تميل إلى الرضا والقناعة بدأت تتململ.. وَشَبَّهَهَا بَالحَيَّة في فَصل الربيع؛ عندا تبدأ في الخروج من السُّبَات، وخلع جلدها(23).
يتحدث عن تَحَرُّكَات الجيش، والاعتقالات الوَاسِعَة. وينقل عن طالب جامعي قوله: «إنَّ الدستور الذي وَعَدَ به السلطان يمكن أن يَحُلَّ جَميعَ المَشَاكل.. وَأشارَ إليه بعضهم أنَّ الآخرين يجب أن يشاركوا في السلطة على قدم المساواة. وَحينَ سألته: من هم الآخرين؟
أجَابَ الشَّعب.. كُلُّ مَنْ هُوَ مؤهل، وليس أفراد الأسرة والحاشية»(24).
وَحَدَّثهُ شَاب تونسي يعمل في الفندق عن إعدام أحد العُصَاة. ويتحدث عن عادات، ومظاهرة جديدة في المدن الكبيرة، لكنها لا تعدو النشرة الخارجية.
والتغيير العميق والمؤثر الذي حَصَلَ في السنوات الأخيرة؛ ولا بد أن يَتفاعلَ في المستقبل= هو ظهور قُوى جَديدة، ووعي جديد لدى الكثيرين. وَيَعدُ بتناول ذلك في مقالاته القادمة(25).
لم يعجب المقال يونس، وَعَبَّرَ عن الاستياء لَدَى السلطان الذي قال له: «لا يمكن أن نفرض على الناس أن يكتبوا ما نريد».
قال عبدالله البخيت: «كَأنَّهُم يعرفون موران، وَأنَّ الكلمة تقتل أكثر من السَّيف، وَأنَّ المال يُداوي الجروح، ولكن لا يداوي جروح القلوب»(26).
رَفضُ فنر الانتقال إلى «قصر الحصن» يثير التساؤلات لدى إخوانه، وقد وضع بينه وبين إخوته مَسافةً معينة. أمَّا زوجته تروت؛ فَكانت بَعيدة عن الأسرة. وحتى موضي كانت العلاقة مَعَهَا محدودة، وَكَثيرًا ما رفضت الدعوات الكثيرة التي تُوجَّه إليها، وَكَانَ زوجها يشجعها على ذلك.
ويواصل عمير حملاته ضد ابن أخته مُتَّهِمًا إياه بالكسروية، والقيصرية.
أعلنَ زواج غزوان من اليانور، مع الإعداد لعقد اتفاق المدينة الجديدة.
توقيع بناء المدينة الجديدة، وتسمية السلطان زوجته ملكة؛ أثارا رُدُود فعل وانتقادات واسعة وغاضبة.
وكان عمير أكثر حِدَّة في تسمية السُّلطَان ثروت ملكة. ويواصل ابن بخيت العودة إلى التراث؛ إلى ابن قتيبة، وابن إياس، و«منامات الوهراني»، والجاحظ، وأبو حَيَّان، وغيرهم؛ لينقل نقدهم لأوضاعهم، وإسقاط ذلك على أوضاع موران بذكاء وفهم (الكاتب).
زَادَت موارد السلطنة المالية. حَلَّ ابن شاهين مَحَلَّ العجرمي.
قَال السلطان لإخوته الاثني عشر الذين اشتركوا في اتخاذ قرار عزل خزعل؛ وهم أهل الحَلّ والربط: «هذي موران، وحنا أدرى الناس بها».
وَسَادَ التوجس والخوف مِمَّا جَرَى في سلطنة الدواحس. وأهل موران، وإن بدوا هادئين، إلا أنَّ الفَرحَ والنكت كانت حاضرة.
تَغَيَّبَ كثير من المسؤولين من الظهور، وَظَهرَ الخَوف على الجميع. السلطان متوارٍ، ولا ينام في «دار السعد».
النار اقتربت.. إن لم تصل اليوم؛ فلا بُدَّ أن تصل غَدًا. رجال حَمَّاد غَابوا في الأيام الأولى، وبدأوا يغيرون جلودهم، وبدأ بعضهم يشير إلى الخوف الذي عَمَّ القصور.
كَانَ الهَمُّ ثَقيلًا على الوجوه في اجتماع قصر السَّعد، وأقرب إلى الانهيار.
«حنا ولد خريبط.. حنا النشامى؛ ندافع عن ملك آبائنا وأجدادنا.. جيشنا قوي، وسلاحنا جديد»(27).
النظرات ملأى بالتحدي والخوف. ويؤكد السلطان على المخاطر، وضرورة المواجهة، وتدبير المؤامرة وارد: الاتصال بالمعارضين.. تحريض السُّكَّان.. أحداث.. تغييرات مهمة.. الاستغناء عن عددٍ من الوزراء، واستبدالهم بغيرهم: أحد الأمراء في الداخلية، وآخر للدفاع(28).
تحركات السلطان مُعَتَّم عليها. نَامَ ليلة في «قصر السعد»، وَغَادرَ الفجر؛ لأنَّ الانقلابات في الفجر.
لم يكن أهل موران مع الموجود، ولا مع ما يجري في الدواحس(29).
مَا حَصلَ في الدواحس شَجَّعُهم، وأغراهم.. التفتوا للسماء يستطلعونها، وإلى الرياح يتنشقون فيها رائحة المطر، لم يجدوا شَيئًا؛ لذلك لجأوا إلى الكلمة اللاذعة؛ إلى النكتة يصوغونها في اللحظة؛ فتخرج قوية نافذة(30).
أهل موران الذين وُلِدُوا على هذه الأرض القفر، واكتسبوا منها صِفَات لا تحصى؛ كي يتغلبوا على قَسوة العيش، وضغوط الحياة= تعلموا غَريزيًا أنَّ الإنسان الذي يبقى هو الذي يحتمل هذه الظروف.
قال السلطان لراكان: «إذا كفتهم الكلمة اليوم؛ فباكر ما راح تشبعهم عظامنا. لا بُدَّ أن نقولَ لهم مَنْ نحن؛ لأنهم بغير ذا ما يتأدبون»(31).
ويرى أنَّ الذي سووه للناس من مكرمات وإنجازات، ونقلهم من البداوة والشقاء إلى النعم والحياة لم يعمله أحدٌ قبلهم.
أذيع تعيين راكان وزير داخلية، وميزر مالية، والدفاع مساعد، وجرى تبادل عدد من الحقائب(32).
الهوامش:
(1) مدن الملح؛ بادية الظلمات، عبدالرحمن منيف، ص247.
(2) المصدر السابق، ص267.
(3) المصدر السابق، ص273.
(4) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(5) المصدر السابق، ص283.
(6) المصدر السابق، ص288.
(7) المصدر السابق، ص289.
(8) المصدر السابق، ص301.
(9) المصدر السابق، ص302.
(10) المصدر السابق، ص305.
(11) المصدر السابق، ص317.
(12) المصدر السابق، ص319.
(13) المصدر السابق، ص320.
(14) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(15) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(16) المصدر السابق، ص321-322.
(17) المصدر السابق، ص319.
(18) المصدر السابق، ص322.
(19) المصدر السابق، ص323.
(20) المصدر السابق، ص327-328.
(21) المصدر السابق، ص329.
(22) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(23) المصدر السابق، ص350.
(24) المصدر السابق، ص351.
(25) المصدر السابق، ص353.
(26) المصدر السابق، ص356.
(27) المصدر السابق، ص388.
(28) المصدر السابق، ص389.
(29) المصدر السابق، ص392.
(30) المصدر السابق، ص393.
(31) المصدر السابق، ص393.
(32) المصدر السابق، ص395.
