الإثنين 8 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • عدن بين إرث الريادة وواقع الانهيار

عدن بين إرث الريادة وواقع الانهيار

لم تكن عدن يوماً مدينة عادية في تاريخ المنطقة. فمنذ عقود طويلة كانت نموذجاً للمدينة المدنية الحديثة، ونافذة للتجارة والثقافة والتعليم، وواحدة من أوائل المدن في الجزيرة العربية التي عرفت الكهرباء والخدمات البلدية والتنظيم المؤسسي. غير أن هذه المدينة التي كانت عنواناً للتقدم أصبحت اليوم تعيش واقعاً يثير الكثير من الأسئلة حول أسباب هذا التراجع الحاد ومستقبلها في ظل الأوضاع الراهنة.

في هذه الأيام، يفترش المواطنون الشوارع والأرصفة هرباً من الأجواء الخانقة داخل منازلهم بعد أن وصلت ساعات انقطاع الكهرباء إلى مستويات غير مسبوقة، بينما يجد طلاب الثانوية العامة أنفسهم أمام امتحانات مصيرية في ظل حرارة مرتفعة وبيئة غير ملائمة للمذاكرة أو حتى لأداء الامتحانات. إنها صورة تختزل حجم المعاناة التي يعيشها السكان، وتعكس فشلًا واضحاً في إدارة أبسط الخدمات الأساسية.

لكن أزمة عدن لم تعد مجرد أزمة كهرباء أو مياه أو خدمات عامة، بل تحولت إلى أزمة حكم وإدارة. فحين تعجز السلطات عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة، وتتراجع قدرة المؤسسات على القيام بواجباتها، يصبح الحديث عن التنمية والاستقرار مجرد شعارات لا تجد طريقها إلى الواقع.

ويبقى السؤال الأهم: من المسؤول عن هذا الوضع؟ هل هو نتاج تراكمات سنوات من الصراع والحرب والانقسام؟ أم نتيجة مباشرة لصراعات القوى السياسية التي حولت المدينة إلى ساحة تنافس ومنازعات وتصفية حسابات؟ أم أن المشكلة أعمق من ذلك، وتتعلق بغياب مشروع وطني جامع يضع مصالح المواطنين فوق الحسابات الفئوية والحزبية؟

لا يمكن إنكار أثر الظروف الإقليمية والدولية وتعقيدات المشهد اليمني، لكن تحميل العوامل الخارجية كامل المسؤولية لا يعفي النخب السياسية المحلية من دورها. فالكثير من القوى التي تتصدر المشهد ما زالت تنظر إلى السلطة باعتبارها أداة نفوذ وهيمنة، لا وسيلة لخدمة المواطنين وبناء المؤسسات. وبدلاً من إدارة التباينات السياسية ضمن أطر مؤسسية، تحولت الخلافات إلى عامل شلل دائم انعكس على حياة الناس ومعيشتهم.

لقد أثبتت التجارب أن الشعوب تستطيع الصبر على الظروف الصعبة عندما ترى أفقاً للحل وإرادة حقيقية للإصلاح، لكنها تفقد الثقة عندما تشعر أن معاناتها أصبحت جزءاً من صراع لا علاقة لها به. ومن هنا فإن إنقاذ عدن لا يبدأ من مشاريع مؤقتة أو معالجات إسعافية، بل من إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة ومؤسساتها، وإخضاع الجميع لمنطق القانون، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الضيقة.

عدن اليوم ليست بحاجة إلى المزيد من الخطابات السياسية بقدر حاجتها إلى إدارة رشيدة، ومؤسسات فاعلة، وشراكة وطنية حقيقية تنهي حالة الصراع المستمر. فمدينة بهذا التاريخ وبهذا الدور الحضاري تستحق أن تستعيد مكانتها، وأن تتحول من رمز للأزمات إلى نموذج للاستقرار والتنمية كما كانت في مراحل مضت من تاريخها.