السبت 6 يونيو 2026

العيسي.. الانتصار في زمن الهزيمة

في زمنٍ تتكاثر فيه الهزائم وتثقل فيه الجراح كاهل الوطن، جاء انتصار المنتخب اليمني على المنتخب اللبناني الشقيق بهدفين دون مقابل ليعيد رسم الابتسامة على وجوه ملايين اليمنيين، وليؤكد أن هذا الشعب ما زال قادرًا على صناعة الفرح والانتصار مهما اشتدت عليه المحن.

لم يكن ما حدث في الملعب مجرد فوزٍ كروي أو تأهلٍ مستحق إلى مرحلة جديدة من التصفيات الآسيوية، بل كان حدثًا وطنيًا بامتياز، حمل رسالة سياسية عميقة إلى الجميع مفادها أن اليمن الذي عجزت سنوات الحرب والانقسام عن كسر إرادته، ما زال قادرًا على توحيد أبنائه تحت راية واحدة وهدف واحد وحلم واحد.

في الوقت الذي انشغل فيه البعض بتعميق الخلافات وتوسيع هوة الانقسام، كانت الرياضة تقدم درسًا وطنيًا بليغًا في معنى الوحدة والانتماء. فالمنتخب اليمني لم يسأل لاعبيه عن مناطقهم أو انتماءاتهم، بل جمعهم تحت اسم اليمن، فكانوا جميعًا جنودًا في معركة شرف وطنية انتهت برفع علم الجمهورية اليمنية عاليًا وإسعاد شعب يتوق إلى أي مساحة أمل.

وفي قلب هذا الإنجاز يقف الشيخ أحمد صالح العيسي، رئيس الاتحاد اليمني لكرة القدم، الذي أدرك مبكرًا أن الحفاظ على المنتخب الوطني ليس مجرد مهمة رياضية، بل مسؤولية وطنية وسيادية في مرحلة استثنائية من تاريخ اليمن. فبينما تهاوت مؤسسات وتعطلت أخرى، ظل الاتحاد اليمني لكرة القدم حاضرًا، وظل المنتخب الوطني يمثل آخر المساحات التي يلتقي عندها اليمنيون بعيدًا عن صخب السياسة وصراعات المصالح.

لقد أثبت العيسي أن القيادة ليست منصبًا، بل موقف ومسؤولية. وأن الرجال يُعرفون في أوقات الشدائد لا في أوقات الرخاء. فبإصراره ودعمه ومتابعته استطاع أن يحافظ على حضور اليمن في المحافل الرياضية، وأن يوفر للمنتخب أسباب الاستمرار والنجاح رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وإذا كان هذا الانتصار قد تحقق داخل المستطيل الأخضر، فإن دلالاته تتجاوز حدود الرياضة. فهو انتصار لفكرة اليمن الواحد، وانتصار لإرادة الشعب اليمني، ورسالة واضحة بأن مشاريع التمزق والتشتيت مهما امتلكت من أدوات لن تستطيع اقتلاع الهوية الوطنية الجامعة من وجدان اليمنيين.

كما أن المشهد المؤثر للكابتن نور الدين الجزائري ودموعه الصادقة بعد الفوز لم يكن مجرد تعبير عن فرحة رياضية، بل كان اختصارًا لمعاناة شعب بأكمله، وحلم أمة تتطلع إلى استعادة مكانتها واستقرارها ووحدتها. كانت تلك الدموع لغة قوميه عربيه وطنية صادقة فهمها كل يمني يشعر بوجع الوطن ويحلم بمستقبل أفضل.

إن اليمن اليوم أحوج ما يكون إلى نماذج وطنية تؤمن بالفعل لا بالشعارات، وتنتصر للوطن لا للمصالح، وتجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم. وما تحقق اليوم يؤكد أن الإرادة الوطنية حين تتوفر، والقيادة حين تكون مخلصة، يمكنها أن تصنع الإنجاز حتى وسط الركام.

مبارك لليمن هذا الانتصار، ومبارك لأبطال المنتخب، ومدربهم ومبارك للشيخ أحمد صالح العيسي الذي أثبت أن الإيمان بالوطن والعمل من أجله قادران على صناعة النصر في زمن اعتاد فيه كثيرون الحديث عن الهزائم.

فاليمن الذي انتصر في الملعب اليوم، قادر بإرادة أبنائه المخلصين على أن ينتصر غدًا في معركة الدولة والتنمية والاستقرار واستعادة مكانته بين الأمم.