مؤتمر الحمار الوطني موفنبيك صنعاء 2013
يبدو أن الزمن توقف عند بعضهم في فندق موفمبيك عام 2013، وتحديداً في قاعات مااسمي حينها زورا وبهتانا (مؤتمر الحوار الوطني)، فبينما سقطت الدولة، وانهارت البلاد، وتبخرت المخرجات، وتغيرت الخرائط والتحالفات، واندلعت الحروب، وتبدلت السلطات والوقائع على الأرض، لايزال بعضهم يعيش هناك، في ذلك الفندق، يحمل صفة (عضو مؤتمر الحوار الوطني) كما لو أنها وسام تحرير أو شهادة تأسيس للجمهورية؛ يضعها في صدر سيرته الذاتية، ويستدعيها عند كل ظهور، ويتحدث عنها باعتبارها الإنجاز الأبرز في مسيرته، رغم أن المؤتمر نفسه تحول إلى ذكرى سياسية بعيدة، ومخرجاته إلى وثائق مهجورة لم تصمد أمام أول اختبار حقيقي..
عضوية غير مستحقة، رسمتها الصدفة في كوفي كورنر او غيره من الكافيهات والمقائل التي كان يرتادها الدكتور احمد عوض بن مبارك ومنها جمع الكثير من المتردية والنطيحة، لكنها مازالت صامدة أكثر من كل مؤسسات الجمهورية، ومازالت لدى البعض أهم من أي مراجعة نقدية صادقة لما جرى في تلك المرحلة...!!
في تقديري، لم يكن مؤتمر الحوار الوطني مشروع حقيقي لإنقاذ اليمن وبناء دولته الحديثة بقدر ماكان محطة عبثية في مسار طويل مرسوم بحرفية عالية لإسقاط الدولة وتفتيت البلاد، وإيصالنا إلى مانعيشه اليوم من انهيار وتمزق وحروب، فالشباب الذين خرجوا إلى ساحات الحرية والتغيير لم يطالبوا باستبدال الدستور ولا بالأقاليم، ولا بتقسيم الدولة، ولا بإعادة رسم الخرائط السياسية، بل خرجوا مطالبين بإسقاط النظام الفاسد، وبناء دولة المؤسسات والقانون، وتحقيق العدالة والمواطنة المتساوية والدولة الواحدة، وإنهاء هيمنة مراكز القوى، وإقامة نظام يحترم كرامة المواطن ويوفر له الأمن والفرص والحكم الرشيد، لكن المؤتمر تجاوز هذه المطالب، وانتقل مباشرة إلى مناقشة قضايا أخرى تتعلق بدستور جديد وشكل الدولة وتقسيمها إلى أقاليم، وقضايا الهوية والصراعات المناطقية والسياسية، الامر الذي ساهم في ترسيخ الهويات الفرعية والمناطقية على حساب الهوية الوطنية الجامعة، وعزز مشاعر الانقسام وأضعف فكرة الدولة المركزية القادرة على حماية وحدتها وسيادتها..
لقد تجاهل المؤتمر من وجهة نظري القضية الجوهرية والأكثر إلحاحاً والبديهية في ابسط خلاف بين شخصين او جماعتين، وهي (المصالحة) الوطنية بين فرقاء 2011 ومعالجة الجروح العميقة التي خلفتها تلك المرحلة، وقفز مباشرة إلى مناقشة قضايا شكل الدولة والأقاليم وتقاسم الصلاحيات والثروات، فبقيت الخصومات والشكوك والثارات السياسية كامنة تحت السطح تنتظر لحظة الانفجار، لأنه من الطبيعي أن تفشل أي عملية سياسية تُبنى فوق أرضية من الشكوك والخصومات والثارات دون أن تسبقها مصالحة حقيقية تعيد الثقة بين القوى المتصارعة وبين الدولة والمجتمع..
ولأن القوى السياسية دخلت المؤتمر وهي تحمل حساباتها الخاصة ومخاوفها المتبادلة، فقد تحول المؤتمر إلى منصة لتقاسم النفوذ بين النخب السياسية أكثر من كونه مشروع وطني جامع لبناء دولة لجميع اليمنيين، وبدلا من ترسيخ مفاهيم الدولة المدنية والعدالة والمواطنة المتساوية والدولة الواحدة التي رفعها الشباب في الساحات؛ انشغلت القوى المشاركة بتعزيز مواقعها السياسية ورسم حدود نفوذها المستقبلي، الأمر الذي أفقد الحوار روحه الوطنية وحوّله إلى ساحة صراع مؤجل بين مراكز القوى المختلفة..
شخصيا أرى أن مؤتمر الحوار الوطني لم يعالج المشكلات التي ثار اليمنيون ضدها عام 2011، بل تجاوزها بقصد او بدون قصد؛ وانشغل بقضايا أخرى لم تكن تمثل الأولوية بالنسبة للمواطن البسيط..
لم يكن مؤتمر الحوار بداية الحل كما رُوّج له آنذاك، بل كان جزء من المشكلة وأحد حلقات المسار الذي قاد اليمن إلى واقعه البائس اليوم، حيث انشغل بصياغة تصورات نظرية للدولة الجديدة، وترك الأسس الحقيقية لبنائها من مصالحة وطنية وعدالة وانتظام لمؤسسات الدولة واستعادة امنها وجيشها وهيبتها، ولهذا انهارت مخرجاته سريعاً عند أول اختبار جدي، وبقيت حبر على ورق، بينما دفعت اليمن وماتزال تدفع ثمن تلك المرحلة السياسية بكل ماحملته من أخطاء ورهانات فاشلة..
