عندما تتكلم المناطقية وتصمت السياسة
في كل يوم يعلو صوت جديد يحرّض منطقة ضد أخرى، وكأننا لم نتعب بعد من الحروب والانقسامات والتمزق الذي أكل أعمار الناس وأحلامهم. نسمع خطاباً ضد أبين، كم سمعنا من خطابات ضد عدن وتعز ، ثم خطاباً ضد يافع، ثم تتسع الدائرة حتى يصبح الوطن كله ساحة للكراهية المتبادلة، وكأن المشكلة الحقيقية ليست الفشل السياسي والإداري، بل الناس أنفسهم.
المؤلم أن هذه الخطابات لم تعد تخرج فقط من أفراد هامشيين أو حسابات مجهولة، بل أصبحت تجد من يروّج لها ويصفق ويبرر، حتى تحولت المناطقية عند البعض إلى أداة سياسية رخيصة يتم استخدامها كلما عجزوا عن تقديم مشروع حقيقي للناس.
حين تفشل السياسة يظهر التحريض.
وحين تغيب الدولة تتقدم العصبيات.
وحين يضعف الوعي يصبح المجتمع قابلاً لأن يُقاد بالخوف والكراهية بدلاً من الفكرة والمصلحة العامة.
ما يحدث اليوم ليس صراع مناطق، بل نتيجة مباشرة لفراغ سياسي كبير. الأحزاب التقليدية التي كانت تمثل المجال الطبيعي للعمل السياسي تراجعت وفقدت تأثيرها، وبعضها تحول إلى هياكل عاجزة تعيش على تاريخها أكثر مما تعيش على قدرتها في إنتاج حلول جديدة. وفي ظل هذا الفراغ تمددت الكيانات المؤقتة والخطابات الانفعالية والشخصيات التي تتغذى على الانقسام أكثر مما تؤمن بالشراكة الوطنية.
لهذا لم يعد السؤال: لماذا انتشرت المناطقية؟
بل: لماذا تُرك المجتمع بلا مشروع سياسي وطني حقيقي؟
الناس بطبيعتها تبحث عمّن يمثلها ويحمي مصالحها ويمنحها أملاً بالمستقبل، وعندما لا تجد دولة عادلة أو أحزاباً قوية أو مؤسسات محترمة، فإنها تنكمش نحو هوياتها الصغيرة: المنطقة، القبيلة، الجماعة، والطائفة. وهنا يبدأ الانهيار الحقيقي للدولة قبل انهيار مؤسساتها.
إن أخطر ما تفعله المناطقية أنها لا تقتل السياسة فقط، بل تقتل فكرة المواطنة نفسها. تجعل الإنسان يُقيَّم من اسمه ولهجته ومنطقته لا من كفاءته وأخلاقه وقدرته. وحين تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة فإنها تتحول إلى جماعات متناحرة عاجزة عن بناء دولة أو تحقيق استقرار.
لا يمكن بناء وطن بعقلية الثأر الاجتماعي.
ولا يمكن إقامة دولة مدنية بخطاب مليء بالإقصاء والتحقير والكراهية.
ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من الكيانات التي تُبنى حول الأشخاص أو المناطق، بل مشروع سياسي حديث يعيد الاعتبار لفكرة الدولة، ويؤسس لأحزاب تتنافس في الاقتصاد والتعليم والخدمات والأمن والعدالة، لا في من يملك القدرة الأكبر على شحن الناس ضد بعضهم البعض.
إن المجتمعات الحية لا تتوحد لأن أبناءها متشابهون، بل لأنها تمتلك عقداً وطنياً يجعل الجميع يشعرون أنهم شركاء في الحقوق والمصير. أما المجتمعات التي تُدار بالعصبية فإنها تستهلك نفسها حتى لو امتلكت كل أسباب القوة.
ربما آن الأوان كي يدرك الجميع أن الكراهية ليست مشروعاً سياسياً، وأن الشتائم لا تصنع وطناً، وأن الشعوب لا تنهض إلا عندما تنتصر الفكرة على الغريزة، والسياسة على العصبية، والمواطنة على المناطقية.
