بين المقاومة والإرهـ ـ اب... من يكتب القصة ومن يدفع الفاتورة؟
في هذا العالم الغريب، لا يكفي أن تحمل السلاح لتعرف من أنت. فهناك من يراك مقاوماً، وهناك من يراك إرهابياً، وهناك من يراك مجرد رقم إضافي في نشرات الأخبار وتقارير المانحين.
المشكلة أن تعريف المقاومة والإرهاب لم يعد يُكتب دائماً في كتب القانون، بل في غرف السياسة، وعلى موائد المصالح، وبين صفقات السلاح والنفط والتحالفات الدولية. فالرصاصة ذاتها قد تُوصف بأنها "عمل بطولي" إذا أطلقتها جهة حليفة، وتتحول إلى "جريمة إرهابية" إذا أطلقتها جهة معادية.
القانون الدولي يتحدث بلغة واضحة نسبياً: مقاومة الاحتلال حق مشروع، واستهداف المدنيين جريمة. لكن الواقع السياسي أكثر تعقيداً. فكم من دولة تتحدث صباحاً عن حقوق الشعوب في تقرير مصيرها، ثم تمضي مساءً لتوقيع عقود تسليح بمليارات الدولارات لإطالة أمد الحروب نفسها؟
أما المواطن البسيط، فلا يهمه كثيراً إن كان القاتل يحمل شعار المقاومة أو الإرهاب. ما يهمه أن منزله دُمّر، وأن راتبه انقطع، وأن أبناءه يبحثون عن وجبة عشاء في وطن يسبح فوق بحار من الشعارات.
خذ مثال تنظيمات مثل القاعدة وداعش. لقد رفعت شعارات دينية ضخمة، وتحدثت عن العدالة والخلافة والتحرير، لكنها انتهت إلى تفجير الأسواق والمساجد والمدارس وقتل الأبرياء قبل الخصوم. فكانت النتيجة أن تحولت المدن إلى خرائب، وتحول الناس إلى لاجئين، وتحولت الأوطان إلى خرائط تتقاسمها الجيوش والميليشيات وأجهزة الاستخبارات.
المفارقة الكوميدية السوداء أن بعض الذين يلعنون الإرهاب نهاراً يتغذون عليه ليلاً. فالإرهاب أصبح في مناطق كثيرة صناعة كاملة: خبراء، ومحللون، وميزانيات، ومؤتمرات، ومراكز أبحاث، وصفقات أمنية. وكأن هناك من اكتشف أن الخوف مشروع استثماري ناجح أكثر من السلام.
وفي المقابل، هناك من يختطف مفهوم المقاومة نفسه. يحوله من مشروع تحرر إلى مشروع سلطة. ومن قضية وطن إلى قضية امتيازات. ومن معركة ضد المحتل إلى معركة ضد المواطن نفسه. فيصبح الشعب محاصراً بين إرهاب يدّعي الدين ومقاومة تدّعي الوطنية، بينما الحقيقة أن الطرفين قد يتفقان على شيء واحد: أن يدفع المواطن الثمن.
في منطقتنا العربية تحديداً، أصبح المواطن يشاهد المسرحية ذاتها منذ عقود. الممثلون يتغيرون، والشعارات تتبدل، والأعلام تتلون، لكن المشهد النهائي ثابت: قتلى أكثر، وفقراء أكثر، وخطب أكثر، وإنجازات أقل.
إن الفرق الحقيقي بين المقاومة والإرهاب لا يكمن في الراية المرفوعة فوق البندقية، بل في فوهة البندقية نفسها: إلى أين تتجه؟ هل تتجه نحو محتل أو هدف عسكري مشروع؟ أم نحو سوق شعبي ومدرسة ومستشفى ومسجد وكنيسة؟
هناك فقط ينتهي الجدل وتبدأ الحقيقة.
فالمقاومة تحرر الإنسان، أما الإرهاب فيستخدم الإنسان وقوداً لمشروعه. المقاومة تبني وطناً بعد انتهاء المعركة، أما الإرهاب فلا يعيش إلا إذا استمرت المعركة إلى الأبد.
ولعل أكبر مأساة في عالمنا العربي أن كثيراً من الشعوب لم تعد تبحث عن النصر، بل أصبحت تحلم فقط بيوم عادي لا تسمع فيه انفجاراً، ولا ترى فيه مسلحاً يشرح لها كيف يجب أن تعيش، أو سياسياً يشرح لها لماذا يجب أن تموت.
فيروز
