الجمعة 19 يونيو 2026

غياب هادي ومأزق الشرعية

يمثل الرئيس عبدربه منصور هادي الحلقة الأخيرة التي تربط بين الشرعية اليمنية التي نشأت عقب المبادرة الخليجية، وبين الترتيبات السياسية والعسكرية التي أفرزتها سنوات الحرب. ورغم أن مجلس القيادة الرئاسي تسلم كامل صلاحياته بموجب إعلان نقل السلطة في أبريل 2022، فإن غياب هادي سيعيد إلى الواجهة أسئلة مؤجلة حول مصدر الشرعية ومستقبل المؤسسات التي قامت على أساسها. ولن يكون الجدل هذه المرة قانونياً فقط، بل سيشمل إعادة رسم موازين القوى داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وبين القوى الإقليمية الداعمة له.

ومع ذلك، فإن هناك اتجاهاً سياسياً وقانونياً يرى أن مجلس القيادة الرئاسي اكتسب شرعيته بصورة مستقلة منذ لحظة انتقال السلطة إليه، وأن استمراره لا يرتبط ببقاء هادي على قيد الحياة، بل بالتوافقات التي أنشأته والاعتراف الإقليمي والدولي الذي يحظى به. ووفقاً لهذا الفهم، فإن المجلس لا يفقد شرعيته إلا من خلال تسوية سياسية شاملة أو اتفاق وطني جديد يعيد صياغة مؤسسات الدولة، وليس نتيجة حدث شخصي يتعلق بالرئيس السابق. ولهذا تبدو أي محاولة لإنهاء المجلس أو تجاوزه محفوفة بمخاطر سياسية وقانونية قد تؤدي إلى فتح أزمة شرعية جديدة بدلاً من حلها.

وفي المقابل، قد تظهر أصوات تدعو إلى العودة إلى التفسيرات الدستورية التقليدية باعتبارها المخرج القانوني من أي فراغ محتمل. غير أن هذا الطرح يواجه إشكاليات عديدة تتعلق بشرعية المؤسسات نفسها بعد سنوات الحرب والانقسام، كما أن الاحتكام الانتقائي للنصوص الدستورية قد يفتح الباب أمام طعون متبادلة حول شرعية مختلف المؤسسات والقيادات القائمة. ولذلك، فإن أي جدل حول من يملك الحق في تمثيل الشرعية قد يتحول إلى صراع سياسي مفتوح حول تفسير الشرعية ذاتها، بدلاً من أن يكون حلاً للأزمة.

وفي قلب هذه التعقيدات، يبرز وضع حزب الإصلاح باعتباره أحد أكثر القوى السياسية ارتباطاً بمنظومة الشرعية التي تشكلت خلال السنوات الماضية. فقد استمد الحزب جزءاً كبيراً من حضوره السياسي والإداري والعسكري من موقعه داخل مؤسسات الدولة المعترف بها دولياً، ولذلك فمن المتوقع أن ينظر بحذر إلى أي ترتيبات جديدة قد تعيد توزيع مراكز القوة داخل المعسكر المناهض للحوثيين، أو تفتح المجال أمام صعود مراكز نفوذ جديدة على حسابه. ومن هذا المنطلق، قد يجد الحزب نفسه من أكثر القوى تمسكاً باستمرار مجلس القيادة، باعتباره الصيغة التي تحفظ التوازنات القائمة وتمنع انتقال السلطة إلى طرف واحد أو معسكر سياسي بعينه.

كما أن أي نقاش حول مستقبل الشرعية بعد هادي سيعيد إلى الواجهة أسماء وشخصيات من داخل المؤتمر الشعبي العام ومن محيط النظام السابق، لكن أهميتها لن تنبع من مواقعها الشخصية بقدر ما ستعكس محاولات البحث عن بدائل سياسية في حال تعرضت شرعية مجلس القيادة للاهتزاز. غير أن فرص أي طرف في التقدم إلى واجهة المشهد ستظل مرتبطة بقدرته على توفير مظلة شرعية مقبولة داخلياً وخارجياً، وليس بمجرد امتلاكه نفوذاً سياسياً أو عسكرياً. ولهذا، فإن جوهر الصراع لن يكون بين أشخاص أو تيارات بقدر ما سيكون حول المرجعية التي ستمنح السلطة المقبلة شرعيتها.

أما على المستوى الإقليمي، فإن مستقبل مجلس القيادة الرئاسي بعد غياب هادي لن يتحدد فقط وفق الحسابات اليمنية الداخلية، بل سيتأثر أيضاً بتباين أولويات القوى الإقليمية المنخرطة في الملف اليمني. فالسعودية تنظر إلى الشرعية من زاوية الحفاظ على الاستقرار ومنع انهيار الإطار السياسي الذي تتعامل معه منذ سنوات، بينما تمتلك الإمارات رؤى مختلفة تجاه شكل السلطة وتوزيع النفوذ داخل المعسكر المناهض للحوثيين. كما أن سلطنة عمان وإيران والقوى الدولية المعنية بالملف اليمني، لكل منها مصالح وحسابات قد لا تتطابق بالضرورة مع رؤية الأطراف اليمنية. ومن ثم، فإن أي فراغ سياسي أو جدل حول الشرعية قد يتحول إلى ساحة تنافس بين مشاريع إقليمية متعددة، الأمر الذي يجعل معالجة مرحلة ما بعد هادي أكثر تعقيداً من مجرد حسم دستوري أو سياسي داخلي. ولهذا، فإن استقرار الشرعية ومستقبل مجلس القيادة سيظلان مرهونين بقدرة اليمنيين على إنتاج توافق وطني واسع، وبقدرة الفاعلين الإقليميين على دعم هذا التوافق بدلاً من تحويله إلى ساحة جديدة للصراع على النفوذ والمصالح.تم تصحيح علامات الترقيم فقط، مع الحفاظ على المحتوى والصياغة الأصلية دون تغيير في المعنى.