الأربعاء 3 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • "الخرائط التي لم تمنع السقوط".. مواقف من لقاءات قيادة الاصطفاف الوطني مع الرئيس هادي — 2014

"الخرائط التي لم تمنع السقوط".. مواقف من لقاءات قيادة الاصطفاف الوطني مع الرئيس هادي — 2014

بعد وفاة الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، رحمه الله، انشغل اليمنيون بين من يستذكر ظروف المرحلة ويترحم على الرجل، ومن يحمّله مسؤولية جزء مما آلت إليه البلاد. وبين هذا وذاك، أجد نفسي مدفوعاً إلى استعادة بعض المواقف التي عايشتها عن قرب، لا بقصد الإدانة أو التبرئة، بل باعتبارها جزءاً من ذاكرة مرحلة تستحق أن تُروى.

ومع تصاعد الاحتقان السياسي في ٢٠١٤، كنت أحد أعضاء وفد قيادة الاصطفاف الوطني الذي التقى الرئيس هادي أكثر من مرة. كان الاصطفاف الوطني، في جوهر فكرته، محاولة لرأب الصدع الوطني، ولم يكن موجّهاً ضد أي طرف، بل وُجّهت الدعوة إلى مختلف القوى للمشاركة فيه، بما في ذلك الحوثيون.
في أحد اللقاءات، بدا الرئيس هادي متحمساً للاستفادة من الاصطفاف في دعم بعض توجهاته السياسية، خصوصاً ما يتعلق بتأييد الجرعة السعرية التي أقرّتها حكومة باسندوه آنذاك، وهو ما رفضه الاصطفاف. تحدث بثقة عن قدرته على حماية البلاد، وقال إنه سيحمي اليمن من ميدي إلى حوف، وإن الجيش والأمن مسخّران للدفاع عن الدولة. ووعد بعدم الخروج من صنعاء لو كلّفه ذلك حياته وحياة أسرته.
لكن الحديث نفسه تضمّن مقترحاً آخر. طلب من قيادة الاصطفاف تنظيم اعتصامات موازية لاعتصامات الحوثيين، بحيث تُقام خيمة للاصطفاف أمام كل خيمة حوثية في مداخل صنعاء، وسيوجّه المؤسسة الاقتصادية بتوفير الإمكانيات وقوات الأمن الخاصة بحماية المعتصمين.
كان الرد واضحاً: حماية البلد مسؤولية الدولة، لا مسؤولية التكتلات المدنية والسياسية. ورُفض المقترح، مع التأكيد على أن مؤسسات الجيش والأمن مطالبة بالقيام بواجبها الدستوري. بدا لنا حينها أن ثمة محاولة لتوظيف الاصطفاف في معركة مختلفة لم يُنشأ من أجلها.
في لقاء لاحق، في التاسع عشر من سبتمبر، كانت صنعاء قد تغيّرت. اقتحم الحوثيون المدينة وسيطروا على مؤسسات سيادية، من بينها الإذاعة. اجتمع وفد مصغّر من الاصطفاف بالرئيس في قاعة صغيرة داخل منزله بشارع الستين.
كانت البلاد تتغيّر أمام أعيننا ساعة بساعة، ومؤسسات الدولة تتهاوى تباعاً. لذلك أصابنا الذهول حين انشغل الرئيس بإقناعنا بأهمية سفره إلى الولايات المتحدة لحضور مؤتمر المانحين. أصرّ الأستاذ يحيى العرشي، رئيس الاصطفاف، على تأجيل السفر، مؤكداً أن البلاد تمرّ بلحظة استثنائية لا تحتمل الغياب.
خرج هادي إلى مكتب مجاور برفقة أحد مساعديه، ثم عاد يحمل خرائط وصوراً جوية قال إنها وصلته من الأصدقاء الأمريكيين، تُظهر مواقع تجمّعات الحوثيين ومخازن أسلحتهم. وأكد أن الدولة تتابع كل التحرّكات وتعرف ما يجري على الأرض، وأنه سيتصرف في الوقت المناسب.
سؤال ظل يرافقني منذ ذلك اليوم: إذا كانت كل تلك المعلومات متوافرة، فلماذا بدا الواقع مختلفاً تماماً عما كانت تقوله الخرائط؟
الأمر الذي صدمني أكثر خلال ذلك اللقاء كان طرح فكرة تسليح الشباب للدفاع عن العاصمة.
عرض الرئيس على الوفد التنسيق الفوري مع عبد القادر هلال ومدير المؤسسة الاقتصادية لاستلام أسلحة وتوزيعها على شباب العاصمة لمواجهة التهديد القائم.
طلبت الحديث. قلت إن الفكرة غير عملية وخطيرة: الدولة تمتلك جيشاً وأجهزة أمنية، وتسليح المواطنين خارج المؤسسات الرسمية لن يفتح إلا باب حرب أهلية. وأن المواطن اليمني يعيش حالة إحباط عميقة، وما يحتاجه ليس سلاحاً، بل مصارحة وقيادة تتحمّل مسؤوليتها الدستورية. وذكّرته بمقتل صادق مكرم ورفاقه من الجنود الذين تُركوا في مذبح، في مشهد ما زال حاضراً في الذاكرة اليمنية. وقلت: كيف يمكن إقناع المواطن بهذه المعركة، وهو لم يسمع حتى بياناً رسمياً يواسي أسر أولئك الجنود أو يشرح للناس ما الذي حدث؟
قاطعني الرئيس بانفعال:
"أنت ما تفهم سياسة يا بني… اجلس.”
لم أكترث للمقاطعة واصلت حديثي. وحين انتهيت، ايدني الحاضرون، وقبّل رأسي اثنان من الزملاء.
ما استوقفني: قائد لا يتحمّل سماع الحقيقة في أحلك اللحظات. وهذا أخطر بكثير من أي تهديد آخر.
لكن الصدمة لم تقتصر على ما دار داخل الاجتماع. ففي منزل الرئيس نفسه، وأثناء انتظارنا للدخول إلى القاعة الداخلية، كان أحد أفراد الحراسة الشخصية يجلس منشغلاً بمشاهدة رقص في قناة غنائية. وعندما دار الحديث معه، عبّر عن استياء شديد من الرئيس، وتحدث عنه بلغة يصعب تصوّر صدورها من أحد أفراد طاقمه الأمني، ثم طلب منا مساعدة مالية.
قد تبدو هذه الواقعة تفصيلاً صغيراً أمام الأحداث الكبيرة التي كانت تعصف بالبلاد. لكنها بقيت عالقة في ذهني أكثر من كثير من النقاشات السياسية. حين يفقد الحارس الشخصي ثقته بمن يحرسه، فهذه ليست مشكلة فردية. إنها علامة على أن شيئاً ما كان يتآكل في الداخل.
اليوم، وبعد سنوات طويلة من تلك الأحداث، لا أستحضر هذه الوقائع لإصدار حكم نهائي على الرئيس هادي، رحمه الله. فالتاريخ أعقد من أن يُختزل في شخص واحد، واليمن كان يواجه مراكز قوى وتدخلات خارجية وعاصفة تجاوزت قدرات الجميع.
لكن بعض ما ظل حاضراً في ذهني من تلك اللقاءات هي هذه الخرائط الأمريكية التي لم تمنع سقوط صنعاء، بل منحت كثيرين شعوراً زائفاً بأن الأمور ما زالت تحت السيطرة. وكانت المشكلة منذ البداية أن إدارة الأزمة انشغلت بما يراه الأصدقاء البعيدون، أكثر مما انشغلت بما كان يراه اليمنيون بأعينهم.