الأربعاء 3 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • ردا على مقال "محاسن الموتى في عالم التيه" للقاضي المستشار القانوني الأستاذ عبدالعزيز البغدادي

ردا على مقال "محاسن الموتى في عالم التيه" للقاضي المستشار القانوني الأستاذ عبدالعزيز البغدادي

بداية، وحتى نلم بما جاء في مقال القاضي عبدالعزيز ""يوميات البحث عن الحرية"، إذ قدم تأملًا نقديًا حادًا حول مسار الشرعية في اليمن، مستلهمًا رحيل الرئيس الانتقالي السابق عبد ربه منصور هادي (يونيو 2026)، كمناسبة لمراجعة أوسع. وهو يرى أن اليمن يعاني من أزمة عميقة تتمثل في تدنّي احترام موقع الرئاسة ووصول غير المؤهلين إليه، معتبرًا أن هادي -الذي دُفن في الرياض بعد إقامة جبرية- استُخدم كأداة لاختطاف الشرعية اليمنية بتمديد ولايته الانتقالية من عامين إلى أحد عشر عامًا. يستشهد أستاذنا عبدالعزيز برأي المستشار القانوني محمد علي علاوي حول انتهاء شرعية هادي دستوريًا في فبراير 2014، وعدم قانونية تشكيل مجلس القيادة الرئاسي وفق الدستور اليمني، مؤكدًا أن الشرعية الدولية يجب أن تنبع من الشرعية الوطنية وليس العكس، وانتقادًا لتوظيف قرارات الأمم المتحدة (كالقرار 2216) لشرعنة التدخلات الخارجية، وبخاصة السعودية التي يعتبرها اللاعب الأكبر في تعقيد الأزمة اليمنية.

كما يذهب الأستاذ عبدالعزيز إلى أن مقولة "اذكروا محاسن موتاكم" لا تعني تجنب نقد أخطاء المسؤولين بعد وفاتهم، بل اعتبار ذلك تغطية على الفساد. ويصف هادي نقلًا عن المندوب الأممي السابق جمال بن عمر بـ"الرئيس النائم" المنشغل بالقات والفن عن واجباته الاستثنائية، محمّلًا إياه والقوى السياسية والإقليمية مسؤولية تدمير فرص بناء الدولة. الحل الذي يقترحه الكاتب يتمثل في العودة إلى مجلس النواب كهيئة دستورية والترتيب لانتخابات برلمانية ورئاسية حقيقية تنهي الانقسام، محذرًا من أن استمرار "التيه" كحاكم أبدي لن يخدم أحدًا، ومؤكدًا أن أمن اليمن واستقراره شرط أساسي لسعادة الجوار والإقليم بأكمله.

ومن المعلوم أن من أطال من فترة هادي هو الانقلاب على العملية السياسية السلمية بقوة السلاح بدون أدنى شك، وقد قمت بكتابة هذه الإضافة لما زعم القاضي عبدالعزيز في تعليقه أدناه أنني لم أقرأ المقال.

بينما هو للأسف الشديد كتب تعليقه دون أن يرد عليه، بل لم يشر إلى مضمونه. ولو أمعن النظر لوجد أن ردي قد تناولت فيه أهم جزئية فيه، وهي المتعلقة بالرئيس هادي.

حقيقة أرى أن المقال جانب الصواب في كثير من استنتاجاته، ولم يُنصف الرجل -الرئيس المشير عبد ربه منصور هادي- في قراءة ظروف المرحلة وتعقيداتها. فمن الإنصاف الإشارة إلى أنه تبنى مشروعًا لدولة مدنية اتحادية، وأشرف على مخرجات الحوار الوطني التي أفضت إلى واحدة من أفضل مسودات الدساتير في تاريخ اليمن الحديث، غير أن النظام السابق، بما امتلكه من نفوذ داخل مؤسسات الدولة وشبكات المصالح المتجذرة، ظل عقبة كبيرة أمام تنفيذ هذا المشروع.

وعندما تفجرت الأزمة ووُضع تحت الإقامة الجبرية في منزله، فإن الوقائع لا تؤيد القول بأنه كان يسيطر على الجيش أو يمتلك القدرة على تحريكه؛ فلو كان الأمر كذلك لما استمر حصاره أصلًا، ولكان قادرًا على فك الطوق المفروض عليه بالقوة. وبدلًا من ذلك، اختار المسار الدستوري، فقدم استقالته إلى مجلس النواب، إلا أن المجلس نفسه كان عاجزًا عن ممارسة صلاحياته في ظل الظروف التي كانت تمر بها البلاد.

ومع إعلان ما سُمّي "الإعلان الدستوري"، وما ترتب عليه من تغيير للمرجعيات الدستورية القائمة، غادر إلى عدن محاولًا استعادة مؤسسات الدولة من هناك، وفي تلك المرحلة صدرت تهديدات علنية بملاحقة من غادروا صنعاء إلى عدن، كما تعرض قصر المعاشيق للقصف، ما عكس حجم الصراع الدائر آنذاك.

وحين تعذر استمرار العمل من الداخل، انتقل إلى المملكة العربية السعودية طلبًا للدعم السياسي والعسكري لاستعادة الدولة. غير أن علاقته مع الرياض لم تبقَ على وتيرة واحدة، وشهدت لاحقًا تباينات وخلافات انتهت بإبعاده عن السلطة في ما يمكن وصفه بأنه انقلاب سياسي ثانٍ عليه. وهذه الوقائع، في نظر كثيرين، تدل على أنه لم يكن مجرد أداة بيد أي طرف خارجي، بل كان يسعى للحفاظ على قدر من الاستقلالية في قراراته، وهو ما قاده إلى الاصطدام بأطراف متعددة في مراحل مختلفة.

أما ما أُثير بشأن غياب الحضور السعودي الرسمي أو الشعبي البارز أثناء مراسيم دفنه، فهو أمر يظل مفتوحًا للتأويل، ولا توجد أدلة قاطعة تفسره. لذلك فإن بناء استنتاجات جازمة حول وصاية خاصة أو مواقف سياسية لم تُعلن رسميًا، يبقى في دائرة الظن لا اليقين. ومع ذلك، فإن هذا الغياب يظل لافتًا ويطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة العلاقة التي كانت قائمة في سنواته الأخيرة.

لهذه الأسباب، أرى أن ميزان المقال قد مال بصورة واضحة نحو تحميله مسؤولية أحداث تفوق قدرته الفعلية على التحكم بها، في حين أن القراءة الأكثر توازنًا تقتضي النظر إلى حجم التحديات التي واجهها، وإلى شبكة القوى المتصارعة التي أحاطت به من كل جانب، قبل إصدار أحكام نهائية على تجربته السياسية.