الأوضاع المضطربة في المنطقة منذ أربعة عقود
شهدت البلدان العربية منذ أربعة عقود أوضاعاً غير مستقرة، وتدخلات خارجية في شؤونها الداخلية، وبخاصة منذ مطلع الألفية الثالثة. وازداد الوضع تفاقماً في المنطقة عموماً بعد طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023م بين المقاومة الفلسطينية والعدو الإسرائيلي المحتل، وأودى الأمر إلى ما نشهده اليوم من دمار وتمدد إسرائيلي في البلدان العربية: فلسطين، وسوريا، ولبنان، وأخيراً الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأولى على إيران منذ يوليو 2025م لمدة 11 يوماً.
ولتخفيف حدة التوتر، استضافت سلطنة عمان، كوسيط، جولات تفاوضية أمريكية - إيرانية حتى 6 فبراير 2026م، لتقريب وجهات النظر بينهما بشأن المطالب الأمريكية فيما يتعلق بالملف النووي ومطالب أخرى كشرط لرفع العقوبات على إيران، وتم الاتفاق على الموعد الجديد للمفاوضات بين الجانبين يوم 2 مارس 2026م.
لسوء الطالع، نشبت الحرب الأمريكية - الإسرائيلية من جديد على إيران في 28 فبراير 2026م، بذريعة عدم تجاوبها مع الشروط الأمريكية. وقد توقف القتال يوم 8 أبريل 2026م بعد حرب مدمرة، واتفق الجانبان على استئناف المفاوضات برعاية باكستانية.
أهم الشروط التي قدمها الجانب الأمريكي ما يلي:
- وقف إيران تخصيب اليورانيوم، والتخلي عن طموحات السلاح النووي.
- السماح لوكالة الطاقة النووية بتفتيش غير مشروط لجميع المنشآت ذات الصلة.
- نقل اليورانيوم المخصب بطاقة 60% بما يساوي 415 كيلوغراماً إلى الولايات المتحدة، وهي الكمية الممكنة لصناعة 8 إلى 10 قنابل نووية خلال أسابيع.
- وقف تطوير واختبار الصواريخ الباليستية والمسيرات (أي تحديد مدياتها)، والتي تعتبرها واشنطن تهديداً إقليمياً ودولياً.
- إنهاء دعم إيران لحلفائها في المنطقة.
- الإفراج الفوري عن جميع المواطنين الأمريكيين المحتجزين.
في المقابل، قدم الجانب الإيراني أهم مطالبه:
- ضمان أمريكي ملزم بعدم الاعتداء على إيران، ورفع العقوبات الأولية والثانوية المفروضة كافة.
- يجب قبول واشنطن بحق إيران في تخصيب اليورانيوم.
- تعويض إيران عن الأضرار الناجمة عن الهجمات، ووقف دائم للحرب، والإفراج عن الأموال والأصول الإيرانية كافة.
- وقف الضربات الإسرائيلية ضد حزب الله.
في واقع الأمر، تسببت الحرب الأمريكية الإسرائيلية في خسائر مهولة، بشرية ومادية واقتصادية، على الجانب الإيراني. كما طالت الحرب دول مجلس التعاون العربي الخليجي، والأردن، وكردستان العراق، ولبنان، وامتدت إلى قبرص... إلخ.
وفي حين كان العالم ينتظر انفراجاً في الأزمة القائمة، أقدم الجانبان الإيراني والأمريكي على إغلاق وحصار مضيق هرمز، ما تسبب في خسائر فادحة للاقتصاد العالمي، واستغلت الولايات المتحدة الفرصة لتعلن بأن الإغلاق مخالف لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982م - الجزء الثالث للمضائق المستخدمة للملاحة الدولية - وأعطت لنفسها الحق بفرض الحصار، أي إغلاق المضيق للضغط على إيران.
من ناحية أخرى، تصر دول العالم، وبخاصة الدول الصناعية، على فتح مضيق هرمز، إلا أنه لم يحدث أي تقدم يُذكر حتى نهاية أبريل (2026م).
في واقع الأمر، تواجه دول العالم حالياً أسوأ أزمة اقتصادية بإغلاق إيران لمضيق هرمز، وحصار أمريكي على الموانئ الإيرانية في المضيق، والمساعي حالياً قائمة للتوصل إلى حل في هذا الصدد.
من ناحية أخرى، يحث رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) الولايات المتحدة على استئناف الحرب.
يرى مراقبون أن الوضع لا يبشر بخير بين الجانبين الأمريكي والإيراني، اللذين دخلا في معمعان جدلي إعلامي عقيم حول المطالب المقدمة من كلا الجانبين، كما كثرت الاتهامات بتعطيل التفاوض واللعب على عنصر الوقت.
قدم الجانبان للمرة الثانية مطالبهما النهائية، على النحو الآتي:
أولاً: مطالب الجانب الأمريكي:
- لن يُسمح لـ(إيران) بتخصيب اليورانيوم وامتلاك سلاح نووي، أو صواريخ باليستية ذات مديات طويلة، أو إمداد حلفائها بالسلاح.
- تسليم اليورانيوم العالي التخصيب (الغبار النووي).
- لن يُسمح لإيران بإغلاق (مضيق هرمز) أمام الملاحة الدولية، أو إدارة المضيق، وفرض رسوم على السفن التجارية والناقلات النفطية وغيرها.
- إزالة الألغام الإيرانية المزروعة أمام الملاحة البحرية.
- استمرار فرض الحصار الأمريكي على المضيق والموانئ الإيرانية، التي تكلف إيران خسائر يومية تقدر بـ(500) مليون دولار.
- على إيران الموافقة على جميع المطالب الأمريكية أعلاه لرفع العقوبات.
ثانياً: الرد أو المطالب الأخيرة للجانب الإيراني:
- إعادة فتح مضيق هرمز، والتنازل مؤقتاً عن الرسوم، والإفراج عن جزء من الأموال المجمدة، ورفع الحصار على الموانئ الإيرانية.
- وقف إطلاق النار في جميع الجبهات، ويشمل حزب الله في لبنان.
- المطالبة بتعويضات وضمانات واضحة بشأن الأموال المجمدة والعقوبات.
- تعليق تخصيب اليورانيوم فوق 3.6 لمدة 10 سنوات.
- فك الحصار العسكري الأمريكي على الموانئ.
- (آلية) لتعويضات وضمانات واضحة بشأن الأموال المجمدة.
اتفق الجانبان على صياغة مسودة لمذكرة تفاهم تشمل المطالب الأمريكية والإيرانية الواردة أعلاه، وأهمها البنود المتعلقة بالملف النووي، وملف مضيق هرمز، وتصدير النفط الإيراني، والتعويضات، وعدم الاعتداء على كل الجبهات، لكنه حتى اليوم 3 يونيو 2026م لم يتم توقيع مسودة مذكرة التفاهم من قبل الجانبين.
وفي هذا الصدد، أكد الرئيس (ترمب) بأن تبادل الرسائل مستمر مع إيران، التي ما تزال تدرس المقترح الأخير، وأضاف أنه قد يتم التوصل إلى حل خلال الأسبوع المقبل. في حين وصف وزير الخارجية الأمريكية (روبيو) النظام الإيراني بأنه متصدع، وأن الحصول على رد من قيادته يتطلب أياماً. في المقابل، رد نائب وزير الخارجية الإيراني على الأمريكيين بضرورة التوصل إلى قرار واضح في أسرع وقت. بينما ذكرت وزارة الخارجية الباكستانية أن إيران طلبت الاستمرار في جهود الوساطة لتهدئة الوضع الحالي.
ومن الملاحظ أنه ما يزال الأخذ والرد قائماً بين الجانبين، ولم يتوصلا بعد إلى توقيع مسودة مذكرة تفاهم مشتركة للتوقيع عليها، يعقبه التفاوض والتنفيذ، ثم إعلان اتفاق نهائي ملزم يصادق عليه مجلس الأمن الدولي.
ولا يُرى في الأفق المنظور بصيص أمل لحل قريب، طالما أنه تسود حالة عدم ثقة بين الجانبين، مما يُخشى معه أن طبول الحرب الأشد دماراً قد تُقرع في المنطقة من جديد، آملاً أن أكون مخطئاً في التقدير.
قمين بالذكر أن الرئيس (دونالد ترمب) كان وافق مبدئياً على الدخول مباشرة للتهدئة بعد تلقيه رداً إيرانياً عبر الوسيط الباكستاني، وكذا استجابته للوسطاء: ولي عهد السعودية، وأمير دولة قطر، ورئيس دولة الإمارات، في الربع الساعة الأخيرة قبل استئنافه للحرب على إيران يوم 19 مايو 2026م، وكذا قيام دولة قطر بمباحثات مكوكية لتهدئة الموقف بين طهران وواشنطن، بالتنسيق مع الجانب الباكستاني.
حقيقة الأمر، إن العالم أجمع أصبح يمر في أزمة اقتصادية خانقة، وتعتبر الصين، ودول الاتحاد الأوروبي، وبريطانيا، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، الأكثر تضرراً. وعليها أن تبذل مساعيها الحميدة للوصول إلى حل مُرضٍ بين الجانبين الأمريكي والإيراني، تجنباً للتصعيد وتفاقم الخسائر وسوء الأحوال الاقتصادية في العالم.ملاحظة: التزمت بتصحيح علامات الترقيم والفواصل والنقاط وعلامات التنصيص والفصل بين الجمل فقط، مع الإبقاء على المحتوى والأفكار كما وردت.
