الخميس 18 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • حـ ـ ـزب الله ولبنان بين دعم إيران وكلفة المواجهة

حـ ـ ـزب الله ولبنان بين دعم إيران وكلفة المواجهة

في خضم الصراعات الإقليمية المتشابكة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط، يجد لبنان نفسه في موقع بالغ الحساسية؛ دولة صغيرة تحمل أعباءً أكبر بكثير من حجمها، وتدفع ثمن توازنات لم تصنعها وحروب لم تخترها.

يُنظر إلى حزب الله في لبنان على نطاق واسع باعتباره أحد أبرز وأهم أذرع إيران العسكرية والسياسية في المنطقة، إلى جانب الفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران في العراق وجماعة الحوثيين في اليمن. وعلى مدار سنوات، شكّل الحزب ركناً أساسياً فيما يُعرف بمحور المقاومة، الذي تعتمد عليه إيران في تعزيز نفوذها الإقليمي ومواجهة خصومها.

ويُعد العامل الجغرافي أحد أهم الأسباب التي تجعل حزب الله في مقدمة القوى المنخرطة في دعم إيران خلال الصراع. فموقع لبنان على الحدود الشمالية لإسرائيل يمنح الحزب ميزة استراتيجية لا تتوافر لمعظم حلفاء طهران الآخرين في المنطقة. هذا القرب الجغرافي لا يتيح فقط إمكانية الوصول المباشر إلى الأراضي الإسرائيلية، بل يمنح الحزب أيضاً قدرة أكبر على التأثير في مجريات المواجهة العسكرية وفرض ضغوط مستمرة على إسرائيل من خلال فتح جبهة قريبة وحساسة لأمنها القومي. ولذلك ينظر العديد من المراقبين إلى حزب الله باعتباره الأداة الأكثر فاعلية ضمن شبكة الحلفاء الإقليميين لإيران، نظراً لما يوفره موقعه الجغرافي من قدرة على الردع الاقليمي والتأثير مقارنة بالأطراف الأخرى التي تفصلها مسافات أكبر عن ساحة المواجهة المباشرة.

ولكن لنا هنا وقفة مع انخراطين بمنطقَين مختلفَين لحزب الله خلال العامين الماضيين، اذ لا

لا يمكن قراءة تورط حزب الله في هذه الحرب دون التمييز بين مرحلتين متباينتين في دوافعهما وردود الفعل الشعبي تجاههما. ففي المرحلة الأولى، حين فتح الحزب جبهة الإسناد دعماً لغزة، وجد هذا الموقف قبولاً واسعاً لدى شرائح لبنانية كثيرة، بل وتعاطفاً حقيقياً معه؛ إذ كان من العسير على كثيرين أن يقفوا متفرجين أمام ما كانت تعيشه غزة من مجازر يومية وحصار خانق، وهي تواجه مصيرها وحدها. في تلك اللحظة، بدا الإسناد فعلاً أخلاقياً له ما يبرره في الوجدان الشعبي، حتى عند من لا يحملون ولاءً سياسياً للحزب.

أما المرحلة الثانية(الحالية) فكانت مختلفة جوهرياً؛ حين تحوّل الانخراط من إسناد إنساني إلى ورقة في يد الحسابات الإيرانية، وباتت المواجهة العسكرية تخدم أجندة المحور أكثر مما تخدم لبنان أو أهل غزة. هنا بدأ الرفض اللبناني يتصاعد بصوت لم يعد يمكن تجاهله، لأن اللبنانيين يعرفون تمام المعرفة أنهم لا يملكون ترف حرب جديدة؛ فجراح الجولات السابقة لم تندمل بعد، والاقتصاد لا يزال ينزف، والدولة لا تزال عاجزة عن توفير أبسط مقومات الحياة لمواطنيها. وهكذا باتوا يدفعون الثمن مرتين: مرة ثمن التضامن، ومرة ثمن حرب لم يختاروها.

يرى منتقدو حزب الله أن لبنان يدفع ثمناً باهظاً نتيجة هذا الانخراط. فالدولة اللبنانية تعاني منذ سنوات من أزمة اقتصادية خانقة، وتراجع في الخدمات العامة، وانقسامات سياسية عميقة، فضلاً عن تحديات أمنية متزايدة. ومن وجهة نظرهم، فإن البلاد ليست في وضع يسمح لها بتحمل تبعات حرب إقليمية واسعة النطاق.ويذهب هؤلاء إلى أن قرار الانخراط في الصراع جاء في وقت كان لبنان بأمسّ الحاجة إلى التركيز على معالجة أزماته الداخلية وإعادة بناء مؤسساته واقتصاده. ويرون أن توسيع دائرة المواجهة العسكرية يهدد بتفاقم معاناة اللبنانيين ويعرض البلاد لمخاطر إضافية قد تستمر آثارها لسنوات طويلة.

اضف على رأس كل ما سبق أن انخراط حزب الله في المواجهة منح إسرائيل مبرراً سياسياً وعسكرياً لتوسيع نطاق عملياتها في لبنان. فمع تصاعد المواجهة الإقليمية، لم تقتصر الضربات الإسرائيلية على المناطق الحدودية، بل امتدت إلى عمق الأراضي اللبنانية، وسط تهديدات متكررة باستهداف مواقع في مناطق أكثر حساسية، بما في ذلك العاصمة بيروت، تحت مبرر وجود بنى تحتية أو مواقع تابعة لحزب الله.

وبالنسبة لهؤلاء المراقبين، فإن إسرائيل استثمرت مشاركة حزب الله في الحرب لتبرير توسيع عملياتها العسكرية وتحقيق أهداف تتجاوز مجرد الرد على هجمات الحزب. ويبدو الامر جليا مع اصرار إسرائيل على ضرورة معالجة ملف حزب الله بصورة مستقلة عن أي تفاهمات تتعلق بالمواجهة مع إيران، وهو ما يثير مخاوف من أن يتحول لبنان إلى ساحة صراع مفتوحة. إن رفض إسرائيل ربط الوضع اللبناني بأي تسوية شاملة للحرب الإقليمية يعزز الاعتقاد بأن تل أبيب تنظر إلى لبنان باعتباره ملفاً أمنياً منفصلاً تسعى إلى إعادة تشكيل معادلاته بالقوة العسكرية، لتشمل إحداث تغييرات أعمق في الواقع الأمني والسياسي اللبناني. ولهذا نجد أن شريحة واسعة من المؤيدين لحزب الله تدعم حزب الله وموقفه وترفض الدعوات إلى نزع سلاحه، إذ يُنظر إلى هذا السلاح من قبل مؤيديه باعتباره الركيزة الأساسية للمقاومة في مواجهة إسرائيل، والعامل الأهم في ردع الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان. ويرى هؤلاء أن وجود هذه القوة العسكرية ساهم، على مدى سنوات، في منع إسرائيل من فرض هيمنتها أو توسيع سيطرتها داخل الأراضي اللبنانية، وهو ما يجعل قضية سلاح حزب الله بالنسبة لهم مرتبطة بمفهوم الدفاع الوطني أكثر من ارتباطها بالخلافات السياسية الداخلية.

وخلاصة الحديث هنا ان لبنان عالق في قلب صراع إقليمي أكبر من قدراته، فبينما ترى أطراف أن دعم إيران جزء من معركة استراتيجية أوسع، يرى آخرون أن الأولوية يجب أن تكون لحماية الدولة اللبنانية وتجنيبها تداعيات الحروب الإقليمية. وفي النهاية، يظل المواطن اللبناني هو الطرف الأكثر تأثراً بنتائج هذه المواجهات، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو الاجتماعي، ويدفع ثمناً باهظاً لقرارات لا يملك أدواتها ولا يتحكم في مساراتها.