كيف تراجع الوعي الوطني الجامع من سبتمبر إلى ما بعد هادي؟
بين اليمن الذي حلم به رواد سبتمبر وأكتوبر، واليمن الذي يعيشه أبناؤه اليوم، مسافة طويلة من الأحلام المجهضة والفرص الضائعة، فالدولة التي وُلدت من رحم التضحيات لم تُهزم بسبب فقر الموارد أو ضعف الإمكانات، بل لأن المشروع الوطني الذي جمع اليمنيين ذات يوم تآكل تدريجيًا تحت وطأة الصراعات على السلطة وتضخم مراكز النفوذ وتراجع قيمة المواطنة لصالح الولاءات الضيقة.
على مدى أكثر من ستة عقود، تعاقبت الأنظمة وتغير الرؤساء وسقطت شعارات وارتفعت أخرى، لكن السؤال ظل حاضرًا: كيف انتقل اليمن من حلم بناء دولة حديثة بعد ثورتي سبتمبر وأكتوبر، إلى واقع تتنازعه الحروب والانقسامات وشبكات المصالح؟ وكيف تراجع الوعي الوطني الذي كان يومًا وقودًا لمشاريع التحرر والبناء، ليحل محله منطق الغنيمة وتقاسم النفوذ؟
إن قراءة هذا التحول لا تتعلق بالأشخاص وحدهم، بل بمسار طويل شهد تراجع فكرة الدولة لصالح القوى المتصارعة، حتى أصبح المواطن اليمني يدفع ثمن أخطاء النخب والحروب والتسويات التي أُبرمت باسمه، بينما ظل الحلم الوطني مؤجلًا جيلًا بعد جيل تحت صراع شعارات تفكيكية ومناطقية وعرقية ومذهبية حالية دون تقبل الآخر.
عندما اندلعت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، لم يكن اليمنيون يسعون فقط إلى إسقاط نظام الإمامة، بل كانوا يتطلعون إلى تأسيس دولة حديثة تنهي قرونًا من العزلة والتخلف، وتفتح أبواب المستقبل أمام الأجيال القادمة، كان الحلم بناء وطن يتسع للجميع، تُصان فيه كرامة الإنسان، ويكون العلم والمعرفة أساس التقدم، وتُستثمر ثروات البلاد لصالح أبنائها لا لصالح فئة أو محسوبية أو حكم عائلي أو سلالي أو مركز نفوذ.
آمن الضباط الأحرار والثوار والمثقفون والنساء اللواتي أسهمن في دعم المشروع الجمهوري، بأن اليمن قادر على استعادة مكانته الحضارية متى تحرر من الاستبداد والجهل. ولم يكن الهدف استبدال حاكم بآخر أو نقل السلطة من أسرة إلى أخرى، بل الانتقال من حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات، ومن منطق الامتيازات الوراثية إلى دولة المواطنة والقانون والكفاءة.
غير أن الجمهورية وُلدت وسط حرب شرسة بين الجمهوريين والملكيين، غذتها حسابات إقليمية ودولية لم تكن ترى في قيام دولة يمنية مستقرة وقوية أمرًا يخدم مصالحها، وتحولت الأرض اليمنية إلى ساحة صراع استنزفت البشر والموارد، فتأجلت مشاريع التنمية لصالح معارك البقاء والدفاع عن النظام الجمهورياو نظام الدولة والقانون.
وفي الجنوب، جاءت ثورة الرابع عشر من أكتوبر حاملة هي الأخرى مشروعًا وطنيًا للتحرر والاستقلال، شارك فيها رجال ونساء من مختلف الفئات الاجتماعية، وكان هدفها بناء دولة حديثة تحقق العدالة والتعليم والعمل والحياة الكريمة. ورغم اختلاف الظروف بين الشمال والجنوب، فإن الحلم كان واحدًا: استعادة الإنسان اليمني لدوره، وبناء وطن يليق بتاريخه وحضارته، وليس دفنها ونهب آثاره وثرواته.
لكن الطريق إلى الدولة الوطنية لم يكن سهلًا، فمع مرور السنوات بدأت الصراعات على السلطة تتغلب على مشاريع البناء، وتوسعت الولاءات الحزبية والقبلية والشخصية على حساب الهوية الوطنية الجامعة. ومع كل أزمة كانت فكرة الدولة تتراجع خطوة، فيما تتقدم مراكز النفوذ خطوة أخرى.
وجاء الرئيس إبراهيم الحمدي ليحاول إعادة الاعتبار لفكرة الدولة، سعى إلى بناء المؤسسات وتقليص نفوذ القوى التقليدية وإطلاق مشاريع تنموية وتعزيز مفهوم المواطنة، ولذلك بقي اسمه حاضرًا في الذاكرة اليمنية باعتباره أحد أبرز من حاولوا إعادة توجيه البوصلة نحو مشروع الدولة.
غير أن اغتيال الحمدي عام 1977 شكّل نقطة تحول مفصلية في تاريخ الجمهورية. فبالنسبة لكثير من اليمنيين لم يكن اغتيال رجل فحسب، بل إجهاضًا لمشروع كان يسعى إلى بناء دولة مؤسسات حقيقية. ومنذ ذلك الحين أخذت شبكات المصالح والوساطات والفساد تتوسع تدريجيًا على حساب مفهوم الدولة الحديثة.
وفي عهد الرئيس علي عبدالله صالح، وهو العهد الأطول في تاريخ الجمهورية، نجح النظام في إدارة شبكة معقدة من التوازنات بين القبيلة والعسكر والأحزاب والقوى الاجتماعية، لكنه رسخ في الوقت ذاته نموذجًا سياسيًا يقوم على إدارة الولاءات والفيد والوساطات أكثر من بناء المؤسسات. ومع مرور الوقت أصبحت الدولة مرتبطة بالأشخاص والنفوذ أكثر من ارتباطها بالقانون، وتراجعت الكفاءة أمام المحسوبية، وغابت الأولوية للتعليم والثقافة والبحث العلمي.
وخلال هذه المرحلة لم يتراجع الاقتصاد وحده، بل تراجع الوعي الوطني أيضًا، فالثروة الوطنية استُنزفت في الصراعات ومراكز القوى، بينما تُركت مشاريع التنمية الحقيقية في الهامش، وتحولت الجمهورية التي قامت من أجل بناء الإنسان إلى دولة تكافح من أجل البقاء.
وعندما خرج اليمنيون في عام 2011، مطالبين بالتغيير، بدا كأنهم يحاولون استعادة الحلم القديم الذي حملته ثورتا سبتمبر وأكتوبر؛ حلم الدولة المدنية والعدالة والمواطنة المتساوية، غير أن القوى السياسية سرعان ما أعادت إنتاج الأزمة بأشكال جديدة، ودخلت البلاد مرحلة انتقالية مرتبكة انتهت بانهيار الدولة ودخول اليمن في حرب شاملة.
وصل عبد ربه منصور هادي إلى السلطة في ظروف استثنائية كرئيس توافقي، لكنه وجد نفسه أمام تراكمات عقود من الأزمات والصراعات ومراكز النفوذ، ولم يتمكن من بناء مؤسسات قادرة على حماية الدولة أو إدارة الانتقال السياسي بصورة مستقرة، فانهارت مؤسسات الدولة الواحدة تلو الأخرى، وتحول الصراع السياسي إلى حرب دفعت ثمنها المدن والقرى والمواطنون البسطاء.
غادر السلال السلطة، ورحل الحمدي، وقُتل الغشمي، وقُتل صالح، وغادر هادي المشهد السياسي، لكن الأزمة بقيت، لأن المشكلة لم تكن في الأشخاص وحدهم، بل في غياب المشروع الوطني القادر على الاستمرار بغض النظر عن أسماء الحكام، وفي وجود منظومات مصالح وقوى نافذة ظلت تتحكم بمصير البلاد لعقود طويلة.
ومع مرور الوقت لم تعد الدولة في نظر كثير من اليمنيين مشروعًا وطنيًا جامعًا، بل تحولت إلى ساحة تتنازعها شبكات النفوذ والمصالح. وتحت عناوين التسويات السياسية والمبادرات والهدن ومشاريع السلام، ظهرت طبقات جديدة من المنتفعين الذين وجدوا في الأزمة مصدرًا دائمًا للثروة والنفوذ.
وفي الوقت الذي كانت فيه شعوب كثيرة تبني اقتصادها ومؤسساتها وتستثمر في العلم والتكنولوجيا، وجد اليمنيون أنفسهم أسرى اقتصاد الحرب وتجار الأزمات والسماسرة وغاسلي الأموال وتجار السلاح والعقار، الذين ازدهرت مصالحهم كلما طال أمد الصراع.
وجاءت سنوات الهدنة لتكشف جانبًا آخر من الأزمة. فبدلًا من أن تتحول إلى فرصة لإعادة بناء الدولة وإنعاش الاقتصاد واستعادة الأمل، شعر كثير من اليمنيين أنها كرست واقعًا جديدًا تستفيد منه شبكات المصالح التي تعيش على استمرار الانقسام والفقر والجوع، وتخشى أي مشروع وطني حقيقي يعيد للدولة عافيتها، ويمنح المواطن حقوقه وأمنه وكرامته.
لقد تحول الوطن عند البعض إلى غنيمة، والثروة العامة إلى فرصة للاستحواذ، والمواطن إلى رقم في تقارير الإغاثة أو ورقة تفاوض على موائد السياسة. وبينما كانت الأمم تتقدم بالعلم والمعرفة والإنتاج، ظل اليمن يدور في الحلقة نفسها، يستهلك أبناءه وثرواته ومستقبله.
إن المأساة الحقيقية ليست في نقص الإمكانات، فاليمن يمتلك موقعًا استراتيجيًا وثروات طبيعية وتاريخًا حضاريًا عريقًا، بل في غياب الرؤية الوطنية الجامعة، وفي هيمنة ثقافة الغنيمة على حساب ثقافة الدولة، وثقافة النفوذ على حساب ثقافة المواطنة.
فالنهضة لا تبدأ من القصور، ولا من الشعارات، بل من المدرسة والجامعة والمكتبة والمسرح والفن والصحافة الحرة وليست المسيرة. تبدأ عندما يؤمن المواطن أن الوطن أكبر من أي حزب، وأكبر من القبيلة، وأكبر من الطائفة، وأكبر من أية جماعة أو مركز قوة.
لقد حلم رواد سبتمبر وأكتوبر بدولة علم وعدالة ومواطنة وكرامة إنسانية، ومازال ذلك الحلم ممكنًا رغم كل ما جرى، لكنه يحتاج إلى استعادة الوعي الوطني الذي ضاع بين صراعات السلطة وجمهورية الغنيمة، فالأوطان لا يقتلها الفقر وحده، بل يقتلها أيضًا غياب الوعي، حين ينسى الناس أن الدولة وُجدت لخدمة مواطنيها وواجبهم ببنائها، لا لتكون غنيمة تتقاسمها القوى المحلية والإقليمية على حساب الوطن والإنسان اليمني.
