الجمعة 19 يونيو 2026

اصل الازمة واعراضها

في خضم الأزمات المتلاحقة التي يعيشها المواطن، ينشغل كثيرون بالحديث عن انقطاع الكهرباء وتدهور الخدمات وتأخر الرواتب وارتفاع الأسعار، وكأن هذه المشكلات هي أصل الأزمة وجوهرها. والحقيقة أن كل هذه القضايا ليست سوى أعراض لمرض أكبر وأعمق نعاني منه منذ سنوات، وهو غياب الدولة بمفهومها الحقيقي.

فالدولة ليست مجرد حكومة أو وزراء أو مؤسسات تحمل أسماء رسمية، بل هي منظومة متكاملة تقوم على القانون والنظام والمرجعية الواحدة التي يخضع لها الجميع دون استثناء. وعندما تضعف هذه المنظومة أو تغيب، تصبح الفوضى هي البديل، وتتراجع قدرة المؤسسات على أداء مهامها، وتتحول الخدمات الأساسية إلى ضحية للصراعات والتجاذبات السياسية.

للأسف، ما زال الكثيرون يتعاملون مع النتائج ويتجاهلون الأسباب. فعندما تتفاقم أزمة الكهرباء أو تتعثر الخدمات، ينشغل الجدل بتبادل الاتهامات بين الأطراف السياسية، بينما يغيب النقاش الجاد حول أصل المشكلة: لماذا عجزت الدولة عن فرض سلطتها؟ ولماذا أصبح تنفيذ القانون أمراً انتقائياً يخضع لموازين القوة والنفوذ؟

في الدول المستقرة، تتنافس الأحزاب والقوى السياسية على البرامج والرؤى، لكن الجميع يلتزم بقواعد اللعبة السياسية ويحترم سلطة الدولة والقانون. أما عندما يتحول التنافس إلى صراع على النفوذ خارج إطار الدولة، فإن الخاسر الأول والأخير هو المواطن.

ومن الظلم أيضاً تحميل أي وزير أو مسؤول كامل المسؤولية عن الفشل في ظل بيئة مضطربة تفتقر إلى مقومات الدولة الحقيقية. فنجاح المسؤول يرتبط بوجود مؤسسات قوية، وقانون نافذ، وسلطة قادرة على حماية القرار وتنفيذه. أما في ظل تعدد مراكز القوى وتضارب المصالح، فإن أي جهد حكومي سيظل محدود الأثر مهما كانت النوايا صادقة.

إن الطريق إلى الخروج من أزماتنا لا يبدأ من معالجة النتائج فقط، بل من معالجة السبب الرئيسي الذي أنتجها. وهذا يتطلب اتفاقاً وطنياً على هوية الدولة وشكلها ومستقبلها، وترسيخ مبدأ سيادة القانون على الجميع دون استثناء، وتجريم أي ممارسة تعطل مؤسسات الدولة أو تنتقص من سلطتها.

عندها فقط يمكن الحديث عن إصلاح الخدمات، وتحسين الاقتصاد، ومحاسبة المسؤولين على أساس الأداء والنتائج. أما الاستمرار في مطاردة الأعراض وترك المرض يتفاقم، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة، بينما يظل المواطن يدفع الثمن عاماً بعد عام.