الشرعية في اليمن بين الدعم السخي وضعف الإنجاز
هل تحولت الشرعية اليمنية إلى عبء على السعودية؟
بعد أكثر من عقد على انطلاق عمليات التحالف العربي، يبرز سؤال مشروع داخل الأوساط السياسية اليمنية والخليجية، حول ما إذا كانت الشرعية اليمنية ماتزال تمثل مشروعًا لاستعادة الدولة، أم أنها تحولت تدريجيًا إلى عبء سياسي ومالي وإداري على المملكة العربية السعودية؟ فبدلًا من أن تتجه مؤسسات الشرعية إلى ترسيخ حضورها داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها، وبناء نموذج حكم قادر على كسب ثقة المواطنين، استمرت حالة الترهل والتضخم في أعداد المسؤولين والقيادات الذين يقيم معظمهم خارج البلاد، بينما بقيت المدن والمحافظات الواقعة تحت سلطة الحكومة تعاني من ضعف الخدمات وتدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية.
ويثير استمرار إقامة عدد كبير من الوزراء والوكلاء والمستشارين والقيادات العسكرية والإدارية، في الخارج، تساؤلات جوهرية حول مفهوم الشرعية ذاته، فالحكومات تستمد شرعيتها من وجودها بين الناس، ومن قدرتها على إدارة شؤونهم اليومية، وليس من الاعتراف الدولي وحده. كما أن بقاء المسؤولين بعيدًا عن ساحات عملهم وعن معاناة المواطنين، أضعف الصلة بينهم وبين المجتمع، وحوّل العديد من المؤسسات إلى هياكل شكلية تستهلك الموارد دون أن تنعكس نتائجها على حياة اليمنيين الذين يواجهون ظروفًا اقتصادية وإنسانية قاسية.
ومن زاوية سعودية قد يكون من الطبيعي التساؤل عن جدوى استمرار الدعم المالي والسياسي والعسكري لكيان حكومي لم يتمكن حتى الآن من بناء نموذج إداري فاعل في المناطق الواقعة تحت سلطته، فالمملكة تحملت أعباء ضخمة خلال سنوات الحرب، وقدمت دعمًا سخيًا للحكومة اليمنية ومؤسساتها، لكن النتائج على الأرض ظلت محدودة في كثير من الملفات، الأمر الذي خلق انطباعًا متزايدًا لدى بعض المراقبين بأن جزءًا من النخبة المرتبطة بالشرعية اعتاد العمل من الخارج، واستفاد من الامتيازات والمرتبات والدعم، دون أن يقابل ذلك مستوى مماثل من الإنجاز والمسؤولية.
وما يزيد من حدة الانتقادات أن المواطن اليمني لا يرى غالبية قياداته إلى جانبه في مواجهة الانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات وانقطاع الرواتب وأزمات الكهرباء والمياه، فبينما يعيش ملايين اليمنيين ظروفًا استثنائية تبدو قطاعات من الطبقة السياسية كأنها منفصلة عن الواقع اليومي للناس، وهو ما أدى إلى تآكل الثقة الشعبية بالشرعية، وفتح المجال أمام خصومها لتوظيف هذا الفشل سياسيًا وإعلاميًا، وتقديم أنفسهم بوصفهم أكثر حضورًا وتأثيرًا على الأرض مهما كانت التحفظات على مشاريعهم السياسية.
لذلك فإن المشكلة الحقيقية لم تعد في حجم الدعم الذي تقدمه السعودية، بل في غياب الإرادة الجادة لدى كثير من مكونات الشرعية للعودة إلى الداخل وتحمل مسؤولياتها المباشرة، فاستمرار الوضع الحالي لا يضر فقط بمستقبل الدولة اليمنية، بل يضعف كذلك مبررات الدعم الإقليمي والدولي لها، ويجعلها تبدو في نظر كثيرين كيانًا يعيش خارج الجغرافيا التي يدعي تمثيلها. ولن تستعيد الشرعية ثقة اليمنيين أو احترام داعميها ما لم تتحول من سلطة مقيمة في الفنادق والعواصم الخارجية، إلى سلطة حاضرة بين المواطنين تعمل من داخل اليمن، وتشارك الناس همومهم، وتتحمل معهم أعباء المرحلة.
