الأمازيغ.. حياة طويلة خارج القصور
في القرن الثاني الميلادي وقف رجل أمازيغي من مداوروش أمام محكمة رومانية. كان القضاة يناقشون تهمة السحر التي قد تؤدي إلى النفي أو الإعدام، لكن الرجل رد ببلاغة أربكت المحكمة، وخرج أبوليوس من القاعة حياً ليجلس بعدها ويكتب روايته الشهيرة عن شاب تحول إلى حمار بسبب خطأ في تعويذة سحرية.

الأمازيغ
ما تزال الرواية تُقرأ وتُدرّس حتى اليوم. يعتبر كثير من الباحثين "الحمار الذهبي" أول رواية كاملة وصلت من العصور القديمة، وقد امتد تأثيرها إلى الأدب الأوروبي لقرون طويلة.
كان اختيار الحمار في الرواية ذكياً. وضع أبوليوس داخل هذا الجسد عقل إنسان متعلم يرى كل شيء، يسمع اللصوص وهم يخططون، ويراقب القضاة وهم يقبضون الرشاوى، ويشاهد الكهنة والجنود والأغنياء من موقع منخفض، حيث يتصرف الجميع أمامه بحرية لأنهم يرون حيواناً لا شاهداً. عرف الأمازيغ هذا الموقع طويلاً، موقع الجماعة التي تراقب الإمبراطوريات وهي تمر فوق أرضها.
في قرية فوق جبال الأطلس تجلس امرأة عجوز أمام نول قديم. تنسج سجادة بخطوط حادة وألوان داكنة. يراجع حفيدها دروسه بالعربية، فيما يبث مذياع صغير أغنية أمازيغية. يحمل البيت لغتين في الوقت نفسه، العربية في المدرسة والأمازيغية في الأغاني والذاكرة والحياة اليومية.
تاريخ الأمازيغ يشبه تلك السجادة، خيوط كثيرة وعُقد متشابكة. وصل الفينيقيون بالتجارة، والرومان بالقانون والضرائب، والعرب بالدين والدولة الجديدة، والفرنسيون بالمدرسة والجيش. حاولت كل قوة فرض شكل جديد للمنطقة، لكن الجبال احتفظت دائماً بجزء مستقل يحمي خصوصيتها.
ذكر المصريون القدماء القبائل الأمازيغية في نقوشهم. وأطلق الإغريق عليهم أسماء عامة، بينما حاول الرومان إدخال شمال أفريقيا في نظام الإمبراطورية، في حين قاومت القبائل الجبلية السيطرة المباشرة باستمرار.
في هذا الواقع تشكّل المجتمع الأمازيغي. اعتمدت القرى الجبلية على الأعراف المحلية، ولعبت القبيلة دوراً أكبر من الدولة، فيما امتلك البئر قيمة أعلى من القصر البعيد.
تجلى هذا التنظيم عندما وحّد ماسينيسا أجزاء واسعة من نوميديا في القرن الثاني قبل الميلاد. بنى دولة اعتمدت على التحالفات والجيش والتنظيم الزراعي. وصل شيشنق الأول إلى عرش مصر وأسس الأسرة الثانية والعشرين.
ظهرت الثقافة الأمازيغية في الحياة اليومية أكثر من ظهورها في القصور. انتشرت الزخارف الهندسية فوق السجاد والأبواب والحلي، وحفظت الأغاني الشعبية الذاكرة الشفوية، كما شاركت النساء في العمل والزراعة والتجارة والحروب.
حافظت اللغة الأمازيغية على وجودها عبر قرون طويلة، وانتشرت أبجدية تيفيناغ من المغرب حتى الصحراء الكبرى، بينما حافظ الطوارق على جزء كبير منها في مناطق الساحل والصحراء.
ثم جاء الفزو العربي. تحركت الجيوش غرباً مع توسع الدولة الإسلامية. تحالفت بعض القبائل مع القادمين الجدد، فيما قاتلتهم قبائل أخرى. تذكر المصادر التاريخية فرض الضرائب وبيع الأسرى ونقلهم إلى المشرق.
في تلك المرحلة ظهر كسيلة. قاد مقاومة ضد الجيوش الأموية وقتل عقبة بن نافع. بعده ظهرت ديهيا الكاهنة في جبال الأوراس، وقادت القبائل الأمازيغية ضد التوسع الأموي لسنوات.
بعد ذلك دخل الأمازيغ في الإسلام تدريجياً، وشاركوا في بناء دول وجيوش جديدة. قاد طارق بن زياد الجيش الذي دخل الأندلس، ثم ظهرت دول أمازيغية كبرى مثل المرابطين والموحدين.
توسع التعريب ببطء عبر المدن والإدارة والدين. انتقل كثير من الأمازيغ إلى العربية داخل المراكز الحضرية، بينما حافظت القرى الجبلية والصحراوية على لغتها القديمة.
في القرن العشرين تبنت دول شمال أفريقيا خطاباً قومياً يقوم على اللغة الواحدة والهوية الواحدة. وطالبت الحركات الأمازيغية بالاعتراف باللغة والثقافة والتاريخ المحلي. اعترف المغرب والجزائر بالأمازيغية لغة رسمية في الدستور.
شخصيات أمازيغية كثيرة أثرت في الفكر والأدب والفن، بدءاً من الفلاسفة القدامى ووصولاً إلى المفكر محمد أركون الذي ناقش التراث الإسلامي بعين نقدية. ونقل إيدير الأغنية الأمازيغية إلى جمهور عالمي.
يعيش الأمازيغ في المغرب والجزائر وليبيا وتونس ومالي والنيجر وموريتانيا. يقدر عددهم اليوم بعشرات الملايين. لغتهم ما تزال حاضرة في المدارس واللافتات والأغاني والبيوت.
وفي تلك القرية فوق الأطلس، تواصل المرأة العجوز نسج السجادة نفسها. تتحرك الخيوط ببطء بين أصابعها. يخلط الحفيد العربية بالأمازيغية أثناء الكلام. يبث المذياع أغنية قديمة. وعلى الجدار تبقى حروف تيفيناغ معلقة بهدوء.
