الأحد 31 مايو 2026
  • الرئيسية
  • تجليات الذاكرة، وصراع الهوية في رواية عيون زرق..!

تجليات الذاكرة، وصراع الهوية في رواية عيون زرق..!

تجليات الذاكرة، وصراع الهوية في رواية عيون زرق..!

المدخل لسبر أغوار تجربة عز الدين العامري.
بين وهج تعز وصمود حيفان، وفي مطلع يناير من عام 1980، وُلدت حكاية إبداعية اسمها عز الدين محمد شائع العامري؛ رجلٌ لم يكتفِ بمشاهدة الحياة، بل قرر أن يوثقها بالكلمة والعدسة، ويُعيد صياغتها في قوالب أدبية وفنية تمزج بين الواقع والخيال.

لا يمكن حصر عز الدين في زاوية مهنية واحدة؛ فهو الذي يسير في دروب الأدب قاصاً وروائياً، وفي دهاليز الحقيقة صحفياً ومصوراً يقتنص اللحظة قبل أن تفلت من ذاكرة الزمن.

وبنظرة فاحصة لا تغفل عنها التفاصيل، يطل علينا ناقداً أدبياً وفنيّاً يفكك شفرات الجمال، مسخراً خبراته الإدارية والثقافية في خدمة المشهد اليمني من خلال موقعه كسكرتير تحرير لموقع "المستقبل أونلاين"، ودوره الفاعل في نادي القصة اليمنية (إلمقه)، وصولاً إلى رئاسته لمركز اليمن الحديث للثقافة والفنون والتراث.
لم تكن رحلة العامري هادئة، بل كانت ضجيجاً إبداعياً ملأ صفحات صحف ومواقع يمنية، رسمية كانت أم أهلية، عبر دراسات نقدية وملفات صحفية معمقة.
وتجلى حضوره في المهرجانات الثقافية التي برز فيها صوتاً مسموعاً ووجهاً بارزاً للثقافة اليمنية المعاصرة.
يتجلى الأثر الأدبي الذي يمثل هوية عز الدين الإبداعية في إصداراته التي عبرت الحدود لتنشر عبق اليمن في القاهرة، بعناوين ما تزال تنتظر القراءة النقدية التي تضعها في مصافها الذي تستحقه بين قائمة الإصدارات المجايلة للعامري.
وأبرز عناوينه التي سأتناولها بالاستقراء الجمالي والتفكيك البنيوي في محاور أخرى هي:
امرأة من فحم (2010): مجموعة قصصية صدرت عن دار أروقة، كانت بمثابة الإعلان الرسمي عن ميلاد قاص يمتلك أدواته ببراعة.
عيون زرق (2017): رواية خاض فيها غمار السرد الطويل، مؤكداً قدرته على بناء عوالم روائية متماسكة.
ولا يزال عطاء العامري مستمراً، حيث ينتظر المشهد الثقافي عملين نوعيين يعكسان اهتمامه بالتراث والذاكرة الإنسانية:
عرفته يمانياً: كتاب يجمع حوارات أدبية وفنية ثرية (تحت النشر).
الأمثال الشعبية في تعز: مشروع توثيقي يغوص في هوية المكان ومنطوق أهله (تحت الطبع).
في ضوء ما سبق، حسبي أني قد عرفت القراء والمعنيين ـ على حد سواء بمتابعة المشهد الثقافي الإبداعي اليمني ـ بالمدخل لسبر أغوار تجربة الأديب القاص، والكاتب والمحاور الصحفي عز الدين العامري.
الأمر الذي سيمكنهم أكثر من فهم الدراسة الاستقرائية والنقدية لروايته التي بين أيدينا "عيون زرق" من خلال المحاور التالية:
المحور الأول: مضامين الغلاف ودلالة اسم الرواية.
يشكل اسم الرواية وغلافها معاً حالة من المواجهة البصرية، حيث تختزل العيون الزرقاء تاريخاً من الاستعمار والمقاومة واللقاء الإنساني وسط عالم يلفه الغموض (السواد)، ويتضح ذلك من المعطيات التالية:
1- مضامين الغلاف ودلالاتها البصرية:
السيادة السوداء (الغموض): سيطرة اللون الأسود ترمز إلى الحقبة التاريخية الضبابية أو حالة الخوف والجهل التي تسبق المعرفة.
بؤرة الضوء (العينان): يركز الغلاف على العينين فقط، مما يعزز فكرة "المراقب" أو "الشاهد".
العين الزرقاء هي النافذة التي يرى من خلالها البطل (والقارئ) التحولات التي طرأت على مدينة عدن.
التخفي (اللثام): يوحي الوجه المغطى بالسرية والغموض، مما يربط بين الفرد (البطل) وبين الأحداث التاريخية الكبرى التي تجبر الناس على التوجس.
2 - دلالة اسم الرواية (عيون زرق):
الهوية والآخر: يمثل الاسم علامة فارقة تشير إلى "الأجنبي" أو "المستعمر" في البيئة المحلية.
الزرقة هنا ليست مجرد لون جمالي، بل هي كود سياسي يعرّف الجنود الإنجليز الذين دخلوا عدن.
ثنائية المظهر والجوهر: يوحي الاسم بوجود مسافة بين الشكل الخارجي (العيون الزرقاء التي قد تبدو غريبة أو مخيفة كعيون القطط) وبين الحقيقة الإنسانية (الطيبة التي اكتشفها البطل لاحقاً).
والدلالات هنا هي:
التحول من "الخوف" إلى "الاكتشاف" وأحياناً تعرف بدلالة الدهشة: (عيونهم زرق تشبه عيون القطط)، حيث الدلالة تربط اللون بالغرابة الفطرية.
دلالة الصراع/القدر: (ابتلانا الله بأصحاب العيون الزرق)، والدلالة هنا تربط اللون بالبعد التاريخي والسياسي.
دلالة الأنسنة: (على عكس ما كان يقوله الطباخ عن أصحاب العيون الزرق)، والدلالة هنا تربط اللون بكسر الأحكام المسبقة.

المحور الثاني: محمولات التجربة السردية للرواية.

تقدم رواية "عيون زرق" للكاتب عز الدين العامري تجربة سردية غنية تمزج بين الذاكرة الشخصية والتاريخ الوطني اليمني.
وللوقوف عند هذه التجربة السردية للرواية بكافة محمولاتها كالتقانة الفنية والثيمات والدلالات، سيكون حرياً بالكاتب الوقوف أمام المعايير التقانية التالية:

أولاً - أبرز عناصر الرواية:

لكل رواية عناصرها المعروفة والشائعة والمتمثلة في:
الحبكة والبناء السردي:
تعتمد الرواية على بناء سردي متداخل يجمع بين الحاضر والماضي عبر تقنية "الفلاش باك" (الاسترجاع).
تبدأ القصة في قرية ريفية هادئة حيث يعيش "حكيم"، وهو رجل ستيني يقضي وقته في عزلته مع كتبه ومذكراته التي يسميها "البوك".
تتحرك الأحداث من السكون إلى الحركة بزيارة صديقه القديم "محمود العراف"، مما يفتح أبواب الذاكرة على زمن النضال ضد الاستعمار الإنجليزي في عدن.
تتوازى الخطوط الدرامية بين محاولة حكيم استعادة توازنه النفسي (عبر طباعة مذكراته) وبين أحداث عائلية مثل زواج حفيدته "روزا" وعودة ابنه الغائب "عمر".
الشخصيات الرئيسية:
حكيم: الشخصية المحورية، يمثل المثقف القروي الذي يحمل ثقل الماضي وتأنيب الضمير.
هو "مؤرخ" بالفطرة يسعى لتوثيق نضال شعبه وتطهير نفسه من عقدة مقتل ضابط إنجليزي كان قد رباه.
محمود (العراف): صديق حكيم القديم ورفيق نضاله، يمثل الجانب الروحي والعملي في آن واحد؛ فهو الذي يحفز حكيم على الخروج من عزلته وطباعة مذكراته.
عمر: ابن حكيم الذي يمثل تيه الاغتراب، حيث غاب لسنوات في السعودية وبريطانيا قبل أن يعود محملاً بانكساراته وعائلته الجديدة.
زينب: زوجة ابن حكيم، تمثل الوفاء والاستمرارية في البيت الريفي، وهي المحرك العاطفي للأسرة.
الثيمات والمواضيع الأساسية:
الهوية والتمزق: تبرز بشكل جلي في تساؤلات حكيم حول انتمائه: هل هو مع الثورة أم مع المستعمر الذي علمه؟ وهل هو ابن "العيون السود" أم "العيون الزرق"؟.
الصراع بين الريف والمدينة: يظهر من خلال حنين حكيم للقرية ومقارنته بين حياة عدن المنفتحة وحياة الريف التقليدية.
الذاكرة كأداة للتحرر: مذكرات حكيم ليست مجرد أوراق، بل هي وسيلة للتخلص من الأرق النفسي وإثبات الذات في وجه التاريخ.
الاغتراب: يتجسد في شخصية عمر وما واجهه من عنصرية وصعوبات في الخارج قبل عودته إلى الجذور.
النهاية والمآلات:
تنحو الرواية في خواتيمها نحو "الإنجاز" والتصالح مع الذات؛ حيث ينجح حكيم في طباعة مذكراته واستعادة اسمه القديم "محمد"، متخلياً عن لقب "تيرت" الذي أطلقه عليه الإنجليز.
أما مصير حكيم في النهاية، فيظل مفتوحاً على تأويلات القرية؛ فمنهم من قال إنه ذهب للحج ولم يعد، ومنهم من قال إنه قضى في حادث سير أثناء عودته للقرية.
تترك هذه النهاية الأسطورية حكيم كرمز باقٍ في مذكراته التي عثر عليها حفيده "غريب"، مما يؤكد أن الكلمة المكتوبة هي الخلود الحقيقي.
ثانياً - تحليل الأبعاد الفلسفية والاجتماعية والتاريخية للرواية:
عند تحليل الأبعاد الفلسفية والاجتماعية والتاريخية للرواية سنجد أنها جاءت على النحو التالي:
رمزية العنوان "عيون زرق" والصراع الهوياتي:
العنوان ليس مجرد وصف فيزيائي، بل هو مركز الصراع النفسي للبطل "حكيم".
العيون الزرق: ترمز للمستعمر الإنجليزي وللمربية البريطانية "انجل" التي نشأ حكيم في كنفها.
هي تمثل "الآخر" الذي قدم له العلم والثقافة، ولكنه في الوقت نفسه سلب أرضه.
العيون السود: تمثل الجذور اليمنية، والقرية، والوفاء للوطن.
حكيم يعيش "تمزقاً هوياتياً"؛ فهو يرى نفسه نتاجاً لهذين العالمين، مما يجعله يشعر بالغربة في قريته وبغربة في عدن.
المذكرات (البوك) كفعل تطهير:
تمثل المذكرات في الرواية "البطل الصامت".
حكيم لا يكتب لمجرد التوثيق، بل للتخلص من الأرق؛ حيث كان الكتاب بمثابة "طارد للأرواح الشريرة" التي تطارده في منامه، خاصة طيف الضابط البريطاني الذي قتله حكيم دفاعاً عن وطنه.
استعادة الاسم: في نهاية الرواية نجد أن طباعة المذكرات كانت الشرط الأساسي لاستعادة اسمه الحقيقي "محمد"، فالمذكرات هنا هي "شهادة ميلاد" جديدة.
ثنائية (الزمن الاستعماري / الزمن المعاصر):
الرواية تعقد مقارنة ذكية بين مرحلتين:
مرحلة النضال في عدن: تُصور كزمن مليء بالحماس والعمل السري والمقاهي الثقافية والتحولات الكبرى.
مرحلة العزلة في القرية: تمثل حالة الركود والانتظار، والقرية في الرواية مكان مليء بالنميمة والترقب.
تحليل الشخصيات الثانوية وتأثيرها:
محمود العراف: هو "المحفز"، فلولا ظهوره لما تحرك السكون في حياة حكيم، إنه يمثل الضمير الحي.
روزا: الحفيدة التي تحمل اسماً ذا رنين أجنبي ولكنها تعيش في قلب الريف، تمثل جسراً بين الأجيال.
البنية المكانية (عدن والقرية):
عدن: تظهر في ذاكرة حكيم كمدينة كوزموبوليتانية، المكان الذي تشكل فيه وعيه السياسي.
القرية: تظهر كملجأ أخير، ولكنها أيضاً سجن للذكريات، والحركة بين المكانين تعكس عدم استقرار البطل النفسي.
الدلالة الفلسفية للنهاية:
النهاية المفتوحة التي قدمها الكاتب تعزز فكرة "اختفاء المؤلف".
بمجرد أن انتهى حكيم من كتابة مذكراته وطباعتها، انتهت مهمته الوجودية.
عثور حفيده "غريب" على المذكرات في المكتبة يشير إلى انتقال الشعلة؛ فالتاريخ لا يموت بموت أصحابه، بل يظل حياً في الأوراق.
إن رواية "عيون زرق" هي مرثية لجيل عاصر التحولات الكبرى في اليمن، ودراسة عميقة في مفهوم "الولاء والمواطنة".
ثالثاً - الاستراتيجية اللغوية الذكية:
اعتمد عز الدين العامري في رواية "عيون زرق" على استراتيجية لغوية ذكية جعلت من اللغة أداة تصويرية وليست مجرد وسيلة لنقل الأحداث، وظهر ذلك من خلال:
أ: المزج بين الفصحى وروح الريف:
استخدم الكاتب ما يمكن تسميته بـ "الفصحى القريبة" أو "لغة الحياة اليومية المهذبة"، وبدا ذلك من خلال:
استعارة المفردات البيئية: لم يغرق الكاتب في العامية المقعرة، بل استخدم كلمات يمنية ريفية أصيلة تعطي نكهة للمكان، مثل أسماء الأدوات الزراعية وتفاصيل البيت الريفي.
بناء الجملة: حافظ على قواعد اللغة الفصحى في السرد، لكنه جعل الحوارات تنساب بروح "اللهجة المحكية" من حيث التقديم والتأخير.
الصور البيئية: استلهم الكاتب تشبيهاته واستعاراته من الطبيعة اليمنية (الجبال، المدرجات الخضراء، الضباب).
ب: أثر اللغة في رسم ملامح الشخصيات:
ساعدت هذه اللغة الهجينة في تعميق الفهم النفسي والاجتماعي لكل شخصية:
شخصية "حكيم": لغته تعكس صراعه الداخلي، حيث يتحدث فصحى مثقفة مشوبة بحنين ريفي يظهر في استخدامه لأمثال شعبية.
شخصية "محمود العراف": لغته تمزج بين الحكمة الشعبية والغموض، واستخدام مفردات توحي بالروحانية ساعد في رسم صورته كـ "صوت الضمير".
شخصية "عمر" (الابن المغترب): تظهر لغته مزيجاً من التلعثم أو الحيرة، حيث تتداخل فيها ذكريات الماضي مع تأثيرات الغربة.
الشخصيات النسائية (زينب وفاطمة): تميزت لغتهن بالبساطة والتدفق العاطفي والمفردات المرتبطة بالدار والعائلة.
ج: اللغة كأداة للواقعية السحرية:
أحياناً، كان المزج اللغوي يخدم الأجواء "الأسطورية" في الرواية.
اللغة هنا لم تكن تقريرية، بل كانت لغة "احتمالية" تشبه الحكايات التي يتناقلها القرويون، مما ساعد في رسم ملمح "الغموض" الذي يلف مصير الشخصية الرئيسية.
إن اللغة في "عيون زرق" لم تكن مجرد وعاء، بل كانت بصمة وراثية لكل شخصية؛ ميزت بين ابن المدينة وابن القرية.
رابعاً - التقاطع بين أحداث الرواية مع أحداث تاريخ حقيقي.
تتقاطع أحداث الرواية مع تاريخ اليمن المعاصر بشكل وثيق، حيث تعمل كمرآة تعكس التحولات الكبرى التي شهدها جنوب اليمن (عدن تحديداً) وشماله (الريف)، ويظهر ذلك التقاطع على النحو التالي:
1 - عدن والوجود البريطاني:
وهي (الخلفية التاريخية) التي تدور داخلها أحداث الذاكرة في الرواية، وهي فترة الاستعمار البريطاني لعدن الذي امتد لـ 129 عاماً.
التقاطع الحقيقي: يصور الكاتب بدقة طبيعة الحياة في عدن "الكوزموبوليتانية" التي كانت ميناءً دولياً مهماً ومزيجاً من الثقافات والأعراق.
الكفاح المسلح: تشير الرواية إلى مرحلة "العمل السري" ونشوء الخلايا الفدائية، فقصة مقتل الضابط البريطاني هي تجسيد للعمليات الفدائية التي كانت تنفذها الجبهات ضد الاحتلال.
2 - الصراع النفسي بين "النشأة" و"المبدأ":
يمثل حكيم في الرواية شريحة من اليمنيين الذين تلقوا تعليمهم أو نشأوا في كنف الإدارة البريطانية، لكنهم انخرطوا في الكفاح المسلح.
التقاطع الحقيقي: تاريخياً، قاد الثورة ضد الإنجليز مثقفون وعمال ونقابيون، والصراع الذي عاشه حكيم يعكس أزمة حقيقية عاشها الكثير من المثقفين اليمنيين في تلك الحقبة.
3 - حركة التنقل بين الشمال والجنوب:
تنتقل أحداث الرواية بين عدن والريف (الذي يشير ضمناً إلى مناطق مثل تعز أو المناطق الوسطى).
التقاطع الحقيقي: يوثق هذا التنقل ظاهرة تاريخية وسياسية؛ حيث كان الريف الشمالي يمثل العمق الإستراتيجي لثوار الجنوب، وكانت عدن تمثل الرئة الثقافية لأبناء الشمال.
4 - مرحلة ما بعد الاستقلال والاغتراب:
تتطرق الرواية إلى عودة "عمر" من الاغتراب ومعاناته في الخارج (السعودية وبريطانيا).
التقاطع الحقيقي: يعكس هذا الجانب موجات الهجرة اليمنية الكبيرة التي بدأت في الستينيات والسبعينيات نتيجة للظروف السياسية والاقتصادية.
5 - توثيق "المسكوت عنه" في الذاكرة الوطنية:
في الرواية، يسعى حكيم لطباعة مذكراته لـ "تطهير" ذاكرته.
التقاطع الحقيقي: يتقاطع هذا مع الواقع المعاصر في اليمن، حيث لا يزال هناك صراع على "الرواية التاريخية"، والرسالة هنا هي أهمية التدوين الشخصي كجزء من التاريخ الوطني.
6 - التحول من الثورة إلى "العزلة":
نهاية حكيم في قرية ريفية منزوياً مع كتبه تعكس مصير العديد من المناضلين الذين وجدوا أنفسهم مهمشين أو فضلوا الانزواء.
إن الراوي هنا لا يسرد تاريخاً مدرسياً جافاً، بل يسرد "التاريخ الاجتماعي والنفسي" للإنسان اليمني.
خامساً: المتلازمة بين البطل والأجيال.
تعد علاقة بطل الرواية بالأجيال من أعمق الخطوط الدرامية التي تعكس فلسفة الكاتب تجاه التاريخ والذاكرة.
هذه العلاقة لم تكن مجرد صلة قرابة، بل كانت صراعاً ومصالحة بين زمنين مختلفين من خلال حفيديه "روزا" و"غريب".
1 - كيف يرى الأحفاد إرث الجد؟
روزا (التصالح والجمال): تمثل روزا الجانب "المشرق" والعاطفي من إرث حكيم، واسمها تيمناً بالماضي الذي عاشه الجد، لكنها تعيش بقلب ريفي أصيل.
ترى روزا في جدها رمزاً للحكمة، وزواجها يمثل استمراراً للحياة التي كان حكيم يخشى عليها من التوقف.
غريب (البحث والتوثيق): غريب هو "الوريث المعرفي"، وقد انتقلت نظرته لإرث الجد من مجرد الاحترام إلى "الاكتشاف".
هو الذي عثر على المذكرات بعد اختفاء الجد، وبالنسبة له، إرث حكيم ليس الأرض بل هو "الكتاب".
2 - هل يمثلون انقطاعاً عن الماضي أم استمراراً له؟
يمكن القول إن الأجيال الجديدة تمثل "استمراراً نقدياً" وليس انقطاعاً:
الاستمرار عبر الذاكرة (غريب): عثور غريب على المذكرات في نهاية الرواية هو أعظم دليل على الاستمرار، فهو يواصل مسيرة الجد ولكن من زاوية "المؤرخ".
الاستمرار عبر الحياة (روزا): روزا تمثل استمرار "الروح"، فهي لم تنقطع عن ماضي الجد بل جعلته جزءاً من حاضرها.
تجاوز العقدة (الانقطاع الإيجابي): يتمثل في أن الأحفاد لا يحملون "عقدة الذنب" التي عذبت حكيم؛ فهم يمثلون جيلاً أكثر تصالحاً مع هويته.
إن الأحفاد في الرواية هم "الملاذ الأخير" لحكيم، فبينما كان ابنه "عمر" يمثل الانكسار، جاء الأحفاد ليكونوا الجسر الذي عبرت عليه ذاكرة حكيم إلى فضاء الخلود.
مما سبق أستطيع الجزم أن الكاتب عز الدين العامري نجح إلى حد بعيد في تقديم بطل تراجيدي ولغة بيئية وجسر بين الأجيال
المحور الثالث: المآخذ التقانة، والإتقان في الرواية.
من الضرورة بأهمية بعد هكذا دراسة جمالية أضاءت الفسيفاء الشكلانية، والجوهرية لرواية عيون زرق تسليط الضوء على مجموعة من المآخذ لا يجب النظر إليها على أنها تقلل من هكذا عمل إبداعي بقدر ما يجب الأخذ بها لأنه دون الإشارة إليها ستبقى الرواية في اليمن غير قادرة على تجاوز محليتها، وكذلك كيما ينتبه كتاب السرد إلى الأخطاء التي يتجنب عليهم تكرارها:
1 _ البناء السردي: (البطء والتكرار):
البطء في الاستهلال: قد يُؤخذ على الرواية البطء الشديد في الفصول الأولى، حيث استغرق وصف عزلة "حكيم" مساحة كبيرة قد تشعر القارئ بالملل.
2 _ غلبة "التقريرية" على "التصوير": يميل الكاتب أحياناً إلى أسلوب التقرير الصحفي، خاصة عند الحديث عن القضايا الوطنية، مما يُفقد السرد شاعريته.
3 _ الحبكة الرئيسية والحبكات الفرعية:
ا _ الحبكة الرئيسية: فكرة "المذكرات كفعل تطهير" قوية، لكن الربط بين فعل الكتابة والحدث الدرامي الخارجي كان أحياناً ضعيفاً.
ب _ الحبكات الفرعية وتشتتها: أدخل الكاتب قصصاً فرعية كثيرة (قصة عمر، زواج روزا)، وبعض هذه الحبكات لم تكتمل أو لم تُوظف لخدمة الخط الرئيسي بشكل عضوي.
4 _ المصادفات: تعتمد الرواية في بعض مفاصلها على "المصادفة" (مثل ظهور العراف)، وهو ما قد يضعف التماسك المنطقي للحبكة.
5 _ توظيف الزمن (الزمن السردي مقابل زمن الواقع):
ا _ الفجوات الزمنية: هناك نوع من عدم التوازن بين الزمن الماضي (عدن الستينيات) والحاضر (القرية)، حيث يبدو الماضي أكثر حيوية.
ب _ زمن الأحداث الواقعية: حكيم يعيش في الماضي لدرجة تجعل زمن الرواية "متوقفاً"، مما أدى إلى ترهل في "الزمن السردي".

ملاحظات إضافية حول الشخصيات:

مثالية بعض الشخصيات: تبدو بعض الشخصيات (مثل زينب) مرسومة بملامح "ملائكية" وثابتة، تفتقر إلى التطور الدرامي.
6 _ الخلل في المنطق السردي:
يظهر الخلل في ص 56 السطر السابع حيث جاء: "وفي اليوم الثاني ذهبنا أنا وأبي إلى أحد مدراء المدارس الذين أعرفهم".
الصواب "الذين يعرفهم" أي أبوه، وليس هو الطفل القادم من الشمال الذي ليس لديه أي معرفة مسبقة بمدراء مدارس في عدن.
لا يوجد مبرر لانزلاق صوت السارد هنا، حيث طغى صوت "الكاتب" الذي يعرف هؤلاء المدراء على صوت "الشخصية" الطفل الغريب.
7 _ غياب الإتقان، والمراجعة النهائية:
أشير إلى وجود خطأ توثيقي في الصفحة 55 بأن تاريخ احتلال بريطانيا لعدن هو 1829، وهذا غير صحيح إذ تجمع المصادر أنها احتلت في 19 يناير 1839.
قد تكون هذه الهفوة غير مقصودة، ولكن التواريخ المفصلية يجب أن تُعامل كحقائق تاريخية لتعزيز واقعية النص.
أيضاً هناك مآخذ تتحمل مسؤوليتها الدار التي نشرت العمل، ففي الصفحة الثانية مكتوب "الطبعة الأولى 2017"، وفي الصفحة الرابعة في بطاقة الفهرسة أنها 2016.
مثل تلك المآخذ في إتقان الحبكة ودقة التوثيق تعزز فكرة وجود "هفوات" في المراجعة النهائية للنص.
الخاتمة
تظل رواية "عيون زرق" للكاتب عز الدين العامري علامة فارقة في السرد اليمني المعاصر، كونها لم تكتفِ باستعادة تاريخنا الحديث بل قامت بأنسنته.
لقد استطاع المؤلف ببراعة فائقة أن يجعل من صراع الألوان والهويات جسراً لفهم الذات اليمنية في أدق تفاصيل انكساراتها وانتصاراتها.
إن الثناء على هذا العمل ينبع من قدرته العالية على تطويع اللغة البيئية الريفية لخدمة قضايا وجودية وتاريخية كبرى.
ورغم ما أوردناه من ملاحظات تقانية، إلا أن الرواية تفرض نفسها كوثيقة أدبية وإنسانية تستحق الاحتفاء والقراءة المتأنية من قبل النقاد والجمهور على حد سواء.
هي دعوة مفتوحة للعودة إلى الجذور، وتذكير بليغ بأن الذاكرة حين تُكتب، فإنها تمنح أصحابها صك الخلود في وجه النسيان.
وبهذا العمل، يؤكد العامري أن الرواية اليمنية تمتلك من الخصوصية والعمق ما يؤهلها بجدارة للتحليق في فضاءات الأدب العربي.