ماذا بعد الرحيل؟
سؤال اللحظة الحرجة بعد رحيل المرحوم الرئيس عبدربه منصور هادي... ترى هل ستسير أمور سفينة الشرعية كما تشتهي رياحها المضطربة المتضاربة، أم يا ترى ستعصف بها أمواج وأنواء عاتية؟ بمعنى: هل سيُطوى ملف الرئيس الراحل بنفس الطريقة التي تم من خلالها نقل السلطة للمجلس الرئاسي؟
انتقال سلطة الرئيس الراحل تم وهو حي يرزق، ورحل وهو حامل أسرار عملية نقل السلطة وما استتبعه الأمر من تفويض ممن يمتلك شرعية التفويض، وعبر سيناريو لعب التحالف دورًا ستكشف الأيام أدق التفاصيل التي يمكن فيها الشيطان.
جدية الأمر وطرحه على بساط البحث وطنيًا ينطلق من مبررات ذات معانٍ أعمق من مجرد القول بأن صفحة هادي مرت وطُوي أمرها. الأمر هنا أكبر من التعامل معه بعفوية؛ فالأمر مرتبط برحيل رئيس منتخب، ورحيله يطرح أسئلة ذات أبعاد قانونية، خاصة وأن مرحلة التفويض مرت دونما انحياز يُذكر على المستوى الوطني، حيث:
- الدولة ما تزال مصادرة.
- الانقلاب عليها ما تزال القوى التي مارست فعل الانقلاب ذات وجود يتعزز على الأرض.
- تُجرى معها تواصلات ذات أبعاد تمس مكانة الشرعية، كما تمس مبررات التواصل معها من قبل أطراف المفترض اعترافها بالشرعية كممثل للجمهورية اليمنية.
خلال الفترة التي تم فيها نقل سلطة الرئيس الراحل إلى المجلس الرئاسي عبر آلية تدور بشأنها أسئلة جوهرية، ستظل بحاجة لإجابات أعمق مما تم طرحه. حتى الفقرة التي كانت أكثر بروزًا في عملية التفويض، والتي أكدت على أن عملية التفويض عملية مكتملة الأركان لا رجعة عنها، ذلك قول سيُجابه بعد الوفاة بسؤال دستوري: والآن ما العمل بعد رحيل صاحب الحق في التفويض؟
هنا يتطلب الوضع الراهن المعقد، على ضوء وضع البلد المضطرب، وعلى ضوء تداعيات ما بعد مغامرة حضرموت من قبل الانتقالي وما جرى من ترتيبات لاحقة أعادت تشكيل المجلس الرئاسي، معالجة لم تكتمل بمعالجة جذور المشكلة السياسية للبلاد.
إغماض الأعين وكأن شيئًا لم يحصل بالبلد.
البلد وشرعيته وقواه السياسية أمام تحديات الخروج من دوامة أزمة طالت منذ بدأت عاصفة الحزم وعاصفة الأمل، مرورًا باتفاق الرياض، وانتهاءً بـ:
- رحيل الرئيس الشرعي.
- استمرار انقلاب صنعاء.
- تداعيات غزوة حضرموت.
- آفاق ما بعد الرحيل.
هنا نقف ونتساءل: هل سيبقى وجود كيان الشرعية وكأن شيئًا لم يحدث؟ ذلك له تداعياته وأسئلته القانونية والدستورية الواجب تقديم الإجابات لها.
وإن كان الأمر قد يثار حوله جوانب تتعلق بغياب من كان يمتلك شرعية التفويض، فكيف سيُعالج الأمر، خاصة أن خلت عملية انتقال السلطة للمجلس الرئاسي من أسانيد تستمد من شرعية التفويض أثناء وجود الرئيس حيًا؟
ما يهم البلد وشرعيته، وكل من يهمهم خروج البلد من مستنقع أزمته المتصاعدة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، ليبقى السؤال الأهم: يا ترى ما هي أيسر السبل للخروج من نفق هذه الأزمة؟ نقول:
- بقاء الحال على ما هو عليه أمر غير مقبول.
- البلد بحاجة لتبني خارطة عمل متعددة الأوجه والعناوين لمغادرة حالة ركود تتفاقم على كافة الصعد.
ولكن يبقى السؤال: كيف؟
الأمر هنا يتحول معه مثل هذا السؤال إلى حالة وطنية، وعلى مستوى الوطن شمالًا وجنوبًا، حالة تتطلب مغادرة حالات التردد والمكابرة والمزايدات.
الوطن وطن الجميع، ومغادرة حالة التفرد واستبعاد الآخر انتهى زمنها، والإبقاء عليها إصرار على تدمير ما تبقى من لحمة وترابط وطني. ترابط وطني بمعنى الانطلاق من الثوابت الوطنية شمالًا وجنوبًا، واعتماد آلية الحوار المتسم بالمسؤولية ووضوح الأهداف، يُبنى على أسس منجزات مؤتمر الوطني الشامل، مع إضافة ما تقتضيه الضرورة من إضافات وتعديلات، مع التأكيد على أن عناصر القوة، جيشًا وأمنًا وموارد، ملك للشعب، تُدار بنهج دولة وطنية يتم التوافق وطنيًا على شكلها: فيدرالية... اتحادية.
وأخيرًا، بات من الضرورة التعامل مع القضايا والقرارات الدولية الحاكمة بمسؤولية وطنية، حيث:
- العلاقة مع التحالف ومع المملكة بآفاق المصالح المشتركة، وتقييم تجربة العمل خلال الفترة الماضية.
- البلد ما زال مقيدًا بقيود مثقلة بقرارات الشرعية الدولية الملزمة للبلد، خاصة:
- القرار 2246.
- اللجنة الرباعية وكيفية التعامل معها على ضوء ما مُنح لها من صلاحيات.
- وضع البلاد ضمن الفصل السابع، حتى وإن كان بعيدًا عن شقه العسكري، بمعنى التدخل.
إن مرحلة ما بعد الرحيل تضع كل من يهمه أمر ومستقبل البلد وشعبه أمام مسؤوليات جسام، بعيدًا عن سلبيات المرحلة الممتدة من يوم انقلاب صنعاء حتى اليوم، وما ترافق معها من إخفاقات طالت كل جوانب ومفاصل الدولة وحياة شعبها، ولا تزال.
