عبد ربه منصور هادي..من التوافق إلى الانهيار
رحل اليوم عبد ربه منصور هادي، لتعيد وفاته فتح بابًا واسعًا لإعادة النقاش حول واحدة من أكثر فترات اليمن الحديث اضطرابًا وتعقيدًا.
انتُخب لفترة انتقالية مدتها عامان، لكنه استمر في الحكم قرابة عقد من الزمن. وخلال هذه المرحلة، دخلت اليمن في مسار شديد الاضطراب، اتسم بحكم باهت الملامح، لم يتم الاشتغال فيه بتأسيس أدوات سياسية قادرة على إحداث الفرق السياسي أو حتى إعادة بناء مؤسسات الدولة، بقدر ما عكس حالة مستمرة من العجز في إدارة المجال السياسي.
جاء هادي إلى سدة الحكم كرئيس انتقالي، فرضته الضرورة السياسية أكثر مما فرضته مسارات نضالية أو زعامة سياسية واضحة، في إطار تسوية توافقية بين الأطراف السياسية لاحتواء الثورة الشبابية التي اندلعت في فبراير 2011 محليًا وإقليميًا.
إذ لم يكن هذا الاختيار تعبيرًا عن إجماع على الكفاءة، أو توافقًا على قدراته السياسية وإمكاناته في إحداث التحول والانتقال، بقدر ما كان انعكاسًا لحالة فراغ سياسي لمنصب تم التوافق على أن لا يملأه أحد، فاختير رجل ظل نائبًا لفترة طويلة دون حضور سياسي أو اجتماعي مؤثر شمالًا وجنوبًا، وبقي إلى حد كبير داخل ظل المؤسسة الرئاسية.
وفي هذا السياق، لم يكن اختيار هادي نابعًا من توافق على قدراته السياسية، بقدر ما عكس تقاطع مصالح الأطراف السياسية حول شخصية محدودة التأثير، بعد سنوات طويلة في موقع نائب الرئيس دون تأثير يُذكر. وقد حاولت مختلف الأطراف استثمار ضعف البنية السياسية للمنصب خلال الفترة الانتقالية، لتعزيز نفوذها وترسيخ سيطرتها على مفاصل الدولة.
وفي ظل انقسام القوى السياسية وتباين رهاناتها، اعتمدت إدارته على إدارة التوازنات بفشل فقط لا أكثر، دون أي حضور واضح لبناء مشروع دولة، مع الاهتمام فقط بالخطاب الإعلامي التبريري وتعظيم الأدوار الرئاسية إعلاميًا، مقابل ضعف الفعل السياسي الحاسم، بل امتدت حالة الخذلان السياسي الواضح من لحظة سقوط صنعاء بأيدي الحوثيين إلى عدن بيد المجلس الانتقالي.
ومع تعثر مشروع الانتقال، شهدت البلاد تمددًا متسارعًا لجماعة الحوثي، وتراجعًا في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، واتساعًا للفوضى السياسية والعسكرية داخليًا وإقليميًا، لتتحول اليمن ساحة صراع مفتوحة محليًا وإقليميًا، انعكست عليها سلسلة من الانهيارات السياسية والاقتصادية والأمنية، دون القدرة على استعادة مسار التعافي حتى اللحظة.
وهكذا، تحولت المرحلة الانتقالية من مشروع لبناء الدولة إلى مسار طويل من الانقسام والتفكك، امتد فعليًا من 2012 حتى 2022، بدلًا من مدتها الأصلية المحددة بعامين.
وتُعد هذه المرحلة من أكثر الفترات التي ما تزال محل نقاش في التاريخ السياسي اليمني الحديث، نظرًا لما شهدته من تحولات عميقة في بنية الدولة وموازين القوى.
