العيد في القرية بين الماضي والحاضر..
يثبت منطق التطور البشري أن ثمة علاقة طردية بين الإنسان بوصفه كائنا اجتماعيا بطبعه، وبين وسائل إنتاجه وأنماط تواصله وسكلوجية فرائحيته؛ فكلما ازداد الإنسان تمدنا وتعقيدا ثقافيا، خفتت لديه الرغبة الاحتفائية بالمناسبات، وتعامل معها بروتينية باردة ورتابة مملة، وكلما كانت حياته أكثر بساطة وتواضعا، ازدادت قابليته للفرح، وتعاظم شغفه بمواسمه العيدية وطقوسه الاجتماعية. حيث كانت البهجة الحقيقية قديما تتجلى بأقل الإمكانيات وأيسر المتطلبات، وكانت السعادة الغامرة تسود الجميع بعيدا عن مظاهر البذخ وتكلف الحياة الحديثة.
وهو ما يتجلى بوضوح في المقارنة بين أعياد الماضي وأعياد الحاضر، سواء في القرية أو المدينة؛ فالأولى كانت أكثر دفئا وأغزر بهجة، رغم تواضع الوسائل وشظف العيش، بينما الثانية أقل فرحا وأفقر روحا، رغم تطور الإمكانات وسهولة التواصل.
في قريتي النائية ـ بحسب روايات الآباء ـ كانت مراسيم العيد تبدأ منذ لحظة رؤية النار المشتعلة في جبل ستران المطل على مديرية جبل الشرق، كإشارة رمزية تعلن حلول العيد في مختلف مناطق اليمن. وما إن تُؤدى صلاة العشاء حتى تتوهج المشاعيل فوق أسطح المنازل وفي جنبات القرى، ويتعالى هتاف الأطفال بفرح طفولي عارم، فيما تتعاقب أصوات المفرقعات والرصاص حتى ساعات متأخرة من الليل ابتهاجا بالعيد.
وفي صباح اليوم الأول، يلبس الجميع جديدهم، وتبدأ زيارات الأرحام، ثم تتوافد الجموع من القرى المجاورة إلى صوح مسجد القاسمي، ذلك المسجد الصغير القابع فوق ربوة شمال القرية، والذي ارتبط في الوعي الشعبي بحكاية متوارثة تقول إن تسميته جاءت نسبة إلى عامل الإمام محمد بن القاسم المؤيد، الذي قتل في منطقة ظلامة، فسميت المنطقة بهذا الاسم لأن الشمس ـ بحسب الرواية الشعبية ـ أظلمت ثلاثة أيام حزنا عليه. وقد دفن العامل في حجرة مجاورة للمسجد، فأصبح المكان مع مرور الزمن موضع قداسة وهيبة في المخيال الجمعي لأبناء المنطقة، ومقصدا للصلاة والتبرك وذبائح النذر والتوسل، كذبائح الاستسقاء والأضاحي وغيرها من الطقوس ذات الطابع الشعائري.
وبعد أداء صلاة العيد، تنطلق الحشود شمالا نحو منطقة الكولة بجوار حصن عران التاريخي، على إيقاع الطبول وأصوات الرصاص والزوامل والرقصات الشعبية، في مشهد احتفالي مهيب يستمر حتى الظهيرة.
وفي اليوم التالي، يتجه الجمع جنوبا نحو جبل عبادي جوار قرية بيت الصفاء، حيث تتكرر المراسيم ذاتها من زوامل ورقصات وأهازيج شعبية في تقليد عيدي متوارث. أما في اليوم الثالث، فيلتقي أبناء القرية والقرى المجاورة بأبناء القرى الأبعد في منطقة قاع آنس، ثم يسير الجميع نحو قرية القرنين، تتقدمهم وسائل الإعلام التقليدية آنذاك من طبول وزوامل حماسية ورقصات شعبية، حتى يتفرق الجمع قبيل الظهيرة وهم مفعمون بالفرح والنشوة.
وفي اليوم الرابع، يبدأ الاستعداد لاستقبال عامل الناحية في منطقة الرقة، بعد سماع صوت البورزان الذي كان يُنفخ إيذانا ببدء موكبه الرسمي، ترافقه الآلات الموسيقية حتى يصل إلى جبل طيرة جوار قرية فحوان، وهناك تُقام المراسيم الاحتفالية من رقصات وزوامل ورماية "النصع". أما خامس أيام العيد، فتكتفي كل قرية بإقامة احتفالها الخاص في ساحتها العامة بصورة أكثر هدوءا وأقل صخبا.
وإلى جانب تلك المظاهر الجماعية، كانت الزيارات العيدية بين الأهل والأنساب تستمر طوال أيام العيد، حيث تمتد الضيافة يوما كاملا يتخلله الكرم والسخاء والذبائح وألوان الألفة والسرور، فيتحول العيد إلى مساحة اجتماعية واسعة لتجديد الروابط الإنسانية وإحياء معاني المحبة والتكافل.
أما اليوم، وبرغم ما شهدته الحياة من تطور هائل في وسائل المواصلات والاتصالات وقاعات الأفراح وكل ما من شأنه توفير أسباب الراحة واللهو، فإن نكهة العيد وروحه الفرائحية قد تراجعت إلى حد كبير، حتى غدا العيد لدى كثير من الناس يوما عاديا لا يختلف كثيرا عن سائر الأيام؛ حضور جسدي بلا تفاعل روحي، واجتماعات يهيمن عليها الانشغال بالهواتف والعزلة الفردية، حتى إذا انقضى مغرب أول أيام العيد بدا وكأن العيد كله قد انتهى، ولم يبق سوى زيارات باهتة ومراسيم جافة تخلو من حرارة الماضي ودفء العلاقات القديمة.
ولعل هذه المفارقة تمثل واحدة من أبرز أزمات العصر الحديث؛ حيث اتسعت وسائل التواصل، بينما ضاقت مساحات الأنس الحقيقي بين البشر، وتوفرت أسباب الترف، في مقابل انحسار الفرح العفوي الذي كان يصنعه الناس قديما بقلوب أبسط وأرواح أكثر صفاء.
