الإثنين 25 مايو 2026

مخضرية السلال

ما زال تاريخنا السياسي يحتفظ للرئيس السلال بعناوين الصدق والبساطة، وأحلام البسطاء الذين من أجلهم كان ضمن الفيلق الوطني الذي تحمل عبء التصدي لمرتكز عهد الإمامة وغيبوبة الموت والحياة التي أبقت البلاد تدور داخل بندول الفراغ، في عالم أسماه النظام حسب فلسفة البطش والقوة والعلاقة بالغيب تحت مسمى: «أحمد يا جناه».

حلم السلال حين غادر خانة الخوف، ممسكًا بهدى الصدق سبيلًا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. بسيطًا كان السلال، حتى البساطة التي تعكسها روحه الطيبة وصدق أقواله وأفعاله، التي كانت حسب مدركاته السياسية ستقضي على آفة نظام الإمامة، وبزوالها ينتهي كابوسها المخيم ظلامًا وظلمًا على البلاد وأهلها.

ما كان مدركًا أن الإمامة نظام وفلسفة ومصالح، وترابط شبكة معقدة من مدلول تاريخي بُني على أساس الدين والعقيدة والانتساب لمركب سلالي طائفي يختزل الدين والمذهب والبلد وشعبه ضمن وسادة الحق الإلهي المعمد بالقوة، التي أرساها سيف الإمامة مرفوعًا تجاه كل رأس يفكر خارج قراءات الإمامة، وكل عقل يتحرك وسط إطار أوسع؛ فذلك سدرة المنتهى التي عندها تتحول كل الأشياء، ناسًا وبلادًا وجماعات، إلى مجرد زوائد يتم بترها، إذ يرى أمام الدنيا والدين «أحمد يا جناه» أن خطرًا داهمًا على العقيدة والمركز المقدس ينبغي بتره.

لك يا سلال البساطة، بعد أن اكتشفت أن ثمة تبادل أدوار بين المفردات التي تؤول إليها مقابض السلطة والجاه. فجأة يتحولون إلى الأئمة المبشرين بجنة السلطة، يصيرون أئمة تحت مسمى جديد: ثوارًا، زعماء، قادة، ومراكز قوى مكنها الزمان من الإمساك بخرطوم الفيل الأقوى ترغيبًا وترهيبًا، إذ باتوا يمتلكون قوة سلطان المال والجاه، مدعومًا بسلطان القوة عسكريًا ووجاهة.

وتلك كانت بدايات دوران السلال، الرئيس البسيط، في دهاليز تغول أطراف تمسك بزمام الحكم، لتعيش البلاد وأهلها تحت سطوة ومداميك أئمة تحت عباءات عسكر دولة الثورة المغيبة.

وكثيرة هي المحطات التي وجد خلالها السلال نفسه يعارك طواحين الهواء، تلك الطواحين التي عالجت الداء المستشري بجسد ثورة سبتمبر بمبدأ: «وداوني بالتي كانت هي الداء»، وهو ما استفز السلال واستفز صدقه الوطني ليطلق شعاره ذي المعاني العميقة حين عبر ببساطته تجاه ما يُتخذ من تدابير ومعالجات وتعيينات أسماها: «مخضرية»، أي معالجات تجمع بين الصالح والطالح، كما يقال، ليستمر الداء ينخر جسد سبتمبر.

واليوم نقول: أي مخضرية هذه التي نراها تتزايد، تجمع بين متناقضات تناقضها في جوهر مشروعنا الوطني؟ وإلا كيف نفهم العزف المتضاد بين أطراف الشرعية المرتكز مشروعها على ثوابت وطنية أهمها:

إنهاء انقلاب صنعاء.

قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

القرار الأممي 2216.

مخرجات الحوار الوطني ومتطلبات تطويرها بما يعالج آثار الحرب، وحرب 94، وحرب 1994.

ضمن هكذا ثوابت كان المفترض أن تسير سفينة الشرعية المتخبطة بين أمواج تعصف بسفينة قادتها ثمانية، نجت آخر محاولات إغراقها في الرمال الحضرمية، وما تزال تغرق تحت شطحات من يكرر ذات الخطاب المعطوب لاتفاق الرياض؛ خطاب متجدد تمثل بموقف رئيس هيئة التشاور المصر على تبني خطاب صارخ التناقض، إذ هو جزء أصيل من شرعية لها دستورها وبرنامجها السياسي، لكنه يعزف لحنًا شاذًا ويغرد بفجاجة خارج السرب، ليأتينا آخر الدهر بمخضربة جديدة نقول معها: على مخضرية الرئيس السلال... ألا ليت الزمان يعود يوميًا، سأخبره بما فعل محمد الغيثي.