الجمعة 19 يونيو 2026

العيد المُثقل بالأزمات

يأتي العيد هذا العام مثقلًا بالحزن، كما لو أنه يمر على الناس مرور الغريب لا الضيف المنتظر. فبدلًا من أن يكون مناسبة للفرح والتراحم واستعادة الأمل، أصبح عند كثير من الأسر موسمًا للقلق والعجز والخوف من مواجهة متطلبات الحياة التي تجاوزت قدرة المواطن على الاحتمال.

لقد دخل المجتمع سنواتٍ طويلة من الاستنزاف الاقتصادي والاجتماعي، حتى تحولت أبسط احتياجات العيد إلى عبءٍ ثقيل. ولم تعد المشكلة في الكماليات، بل في الحد الأدنى من الحقوق المعيشية التي يُفترض أن تكون متاحة لكل إنسان. فالأب الذي يعجز عن شراء ملابس لأطفاله، أو توفير احتياجات أسرته الأساسية، لا يعيش أزمةً فردية فحسب، بل يعيش انعكاسًا مباشرًا لاختلالات عميقة أصابت بنية الدولة والاقتصاد والمجتمع.

إن أخطر ما تصنعه الأزمات الممتدة أنها لا تُرهق الجيوب فقط، بل تُضعف الروح العامة للمجتمع. فحين يفقد الناس قدرتهم على الفرح بالمناسبات، ويتحول العيد من مساحةٍ للأمل إلى مساحةٍ للضغط النفسي، فإن ذلك يكشف حجم التآكل الذي أصاب الحياة اليومية للمواطن. وهذا التآكل لا يحدث فجأة، بل نتيجة تراكمات طويلة من الحروب والانقسامات والفساد وتعطل مؤسسات الدولة وغياب المعالجات الاقتصادية الحقيقية.

لقد أدت سنوات الصراع إلى انهيار القدرة الشرائية للمواطن، واتساع رقعة الفقر، وتآكل الطبقة الوسطى التي كانت تمثل عنصر التوازن والاستقرار داخل المجتمع. ومع كل عيد تتسع الفجوة بين متطلبات الحياة ودخل المواطن، حتى أصبحت غالبية الأسر عاجزة عن تأمين أبسط مظاهر العيد التي كانت يومًا جزءًا طبيعيًا من الحياة الاجتماعية.

والأكثر قسوة أن الأطفال باتوا يدفعون ثمن هذه الانهيارات مبكرًا. فالطفل الذي ينتظر العيد بملابس جديدة وفرحة بسيطة، يجد نفسه أمام واقعٍ مختلف تُنتزع فيه البراءة تحت ضغط الحاجة والعجز. وهنا تتحول الأزمة من مجرد ضائقة اقتصادية إلى أزمة تمس البنية النفسية والاجتماعية للمجتمع بأكمله.

إن المجتمعات لا تُقاس فقط بحجم الشعارات التي تُرفع، بل بقدرتها على حماية الإنسان وصون كرامته وتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة. وعندما يصبح المواطن عاجزًا حتى عن استقبال العيد بطمأنينة، فإن ذلك يكشف حجم الخلل الذي وصلت إليه الأوضاع العامة، ويؤكد أن معالجة الأزمات لم تعد مجرد مطلب سياسي أو اقتصادي، بل ضرورة ملحّة لحماية المجتمع من مزيدٍ من الانهيار والتفكك.

ورغم هذا الواقع القاسي، يبقى التراحم والتكافل الاجتماعي آخر ما يحفظ تماسك الناس في مواجهة الظروف الصعبة. فالأوطان التي تنهكها الأزمات لا يعيد ترميمها الخطاب وحده، بل العدالة، والاستقرار، واستعادة الإنسان لحقه في حياةٍ لا يخاف فيها من قدوم العيد.