الأحد 24 مايو 2026
  • الرئيسية
  • المخترعة.. سلالة تمتد جذورها في الغيب

المخترعة.. سلالة تمتد جذورها في الغيب

فكرة تأبطت صرامة المتن لتحصر السماء في دائرة ضيقة وتجعل من حركة الكون وتقلبات الطبيعة أعراضاً يخترعها الخالق لحظة بعد لحظة، مغلقة بذلك معظم النوافذ التي كان يمكن أن يطل منها العقل على سنن الوجود.

تبلور تيار "المخترعة" كعصبية فكرية خرجت من رحم المذهب الهادوي، وهي تحمل قناعة قطعية بأن السلطة امتداد للنسب، وأن الإمامة أقرب إلى الميراث يسري في الدم كما تسري الملامح في الوجوه.

جاء الاسم من صلب خلافهم الكلامي مع خصومهم "المطرفية"، فبينما قالت المطرفية بحدوث الأعراض في الأجسام بطبيعتها، ذهبت المخترعة إلى أن الله يخلقها (يخترعها) لحظة بلحظة، ولا تحصل بطبائعها المستقلة. هكذا تحولت الطبيعة عندهم إلى ميدان للمشيئة الإلهية المرتجلة الخالية من الأسباب، فكان هذا الموقف هو الباب الذي دخلوا منه إلى التاريخ باسم "المخترعة".

هذا التصور الكلامي القديم يمنح الحاكم شرعية تتجاوز السياسة إلى حدود المقدس، فيتحول الإمام إلى مركز يدور حوله الفقه والجماعة والتاريخ، في مواجهة رؤية "المطرفية" التي قرأت الطبيعة باعتبارها فضاء تتحرك فيه الأشياء وفق طبائعها وقوانينها الذاتية. غير أن الخلاف سرعان ما تجاوز حدود الجدل الفكري إلى صراع على شكل السلطة ومعنى الإنسان داخل المجتمع.

في المرتفعات اليمنية خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين، كانت البيئة الفكرية تعيش ارتجاجاً داخلياً بين خيارين متناقضين.

فتحت المطرفية الباب لنظرة تستند إلى العلم والتقوى والكفاءة، ورأت في الإنسان مشروعاً مفتوحاً للعدل والمعرفة. بينما شددت المخترعة قبضتها على مفهوم "البطنين"، ورأت الإمامة حقاً حصرياً، وكأن السياسة شجرة عائلية تمتد جذورها في الغيب. مما جعل أطروحاتها تميل إلى الإقصاء الصارم.

في هذا المناخ المشحون، صيغت مقولات هذا الفكر بأقلام أئمة جعلوا من العقيدة سياجاً للحكم. فكان الفقيه في تيار المخترعة لا يرى في الطبيعة إلا مسرحاً للمشيئة المرتجلة، مما ساهم في جمود فكري نسبي صبغ الحياة الاجتماعية برداء التفسير الغيبي المغلق.

امتلكت المخترعة قدرة هائلة على تحويل النسب إلى نظام حكم متكامل، يقود فيه الإمام الجيش ويفسر الدين ويرسم حدود الطاعة. ليعيش المجتمع اليمني انقساماً حاداً. رؤية ترى الإنسان قيمة بذاته، وأخرى ترى الامتياز يولد مع الدم.

حفل هذا الانغلاق المعرفي بتحويل المخترعة إلى مشروع أيديولوجي رفض ماضي الاعتزال المرن، وابتعد عن براءة الزيدية الأولى. وحين وجدوا في المطرفية تهديداً للأحادية، أعادت المخترعة بناء السلطة كمركز يحتكر الحقيقة.

وفي اللحظة التي أخذت فيها المطرفية تبني فضاءات للنقاش العقلي، بدت الأسئلة التي خرجت من أفواه الفلاحين والباحثين كأنها شقوق تتسع في جدار الهيبة السياسية. فسارعوا إلى تجريد كلماتهم من معانيها الإنسانية، وتحولت المساجد إلى منابر لفتاوى مشحونة بالتبديع، ممهدين بذلك لصدام دموي.

في مطلع القرن السابع الهجري، خرجت المخترعة من حدود التنظير إلى ميدان القوة. وتجسد التطرف الفكري في سيوف الإمام عبد الله بن حمزة، الذي استمد من نظرياته مبررات القمع. فرأى في أي محاولة لفصل السلطة عن النسب تهديداً مباشراً لبنية الإمامة ذاتها.

انفجر الصراع وسارت الجيوش في حملات قاسية أرادت اقتلاع الفكرة من جذورها. فهدمت بيوت المطرفية في مناطق مثل سناع ووقش وقاعة، وأحرقت بعض مراكزهم. في مشهد يلخص كيف يمكن للسلطة أن تسحق الخصم حين يشعر العرش بالخوف من الأسئلة.

منذ تلك اللحظة، تحولت المخترعة من تيار كلامي داخل الهادوية إلى نموذج سياسي مكتمل الملامح، يرى النجاة في الطاعة، والاستقرار في احتكار الحكم، والشرعية في نقاء النسب. ليلتقي التأويل الديني بالسيف. استقر فكر المخترعة بعد ذلك كمذهب شبه رسمي، وتم تهميش الكثير من التراث المخالف. وظل هذا الانتصار العسكري وصمة في تعاقب الأيام، يذكر بكيفية تحول المفاهيم الكلامية إلى أدوات سياسية لتقييد العقل.

ومع أن صوت هذا التيار ساد لقرون طويلة بقوة السطوة والنفي، فإن تلك القسوة لم تصنع سلماً دائماً. فقد أورثت للأجيال جرحاً عميقاً، مؤكدة أن احتكار السماء والأرض بقوة الحديد لا يبني دولة ولا يصون عقيدة. ظلت مقولاتهم شاهدة على زمن سعت فيه السيوف لإطفاء مصابيح النظر العقلي، لكن الأسئلة التي حاولوا دفنها تملصت، لتظل تتسرب من بين الحجارة المحترقة.

يقف تاريخ المخترعة اليوم في الذاكرة الثقافية كنموذج لتزاوج التعصب المذهبي مع طموح السلطة، وصورة مبكرة لفكرة تحتكر الحقيقة وتعيد ترتيب المجتمع وفق امتياز وراثي. ليكون عبرة تكشف كيف يمكن للفكر أن يتحول إلى مقصلة حين تمزق أوراق الحوار وتشهر حراب الإقصاء في وجوه الباحثين عن الحقيقة. بينما يقف تاريخ المطرفية شاهدا على صراع طويل بين العقل المغامر والسلطة التي أرادت للسماء أن تبقى حكراً على سلالة واحدة.