الأحد 24 مايو 2026
  • الرئيسية
  • الغيثي وأزمة التناقض داخل الشرعية اليمنية

الغيثي وأزمة التناقض داخل الشرعية اليمنية

تصريح الغيثي الأخير يكشف مرة أخرى حجم التناقض الذي تعيشه بعض قيادات المجلس الانتقالي بين وجودها داخل مؤسسات الدولة اليمنية وبين استمرارها في خطاب سياسي يتعامل مع هذه الدولة وكأنها خصم يجب التخلص منه لا إطاراً يفترض العمل من داخله لإنقاذ البلاد.

فمن غير المنطقي أن تكون جزءاً من مجلس قيادة رئاسي يمثل الشرعية اليمنية المعترف بها دولياً، ثم تنزعج من الحديث عن الجمهورية اليمنية أو عن الوحدة اليمنية أو عن مفهوم الدولة الاتحادية. هذا التناقض لم يعد مجرد اختلاف سياسي، بل أصبح عبئاً على مؤسسة يفترض أنها تقود معركة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي.

المشكلة ليست في حق أي طرف أن يحمل رؤيته السياسية، فهذا أمر طبيعي، بل المشكلة عندما تتحول المشاركة في مؤسسات الدولة إلى محاولة لاختراقها وتعطيلها من الداخل، أو التعامل معها كمرحلة مؤقتة للوصول إلى مشروع آخر لا يحظى بتوافق وطني ولا إقليمي ولا دولي.

هناك عقلية داخل بعض أوساط الانتقالي تصرفت طوال السنوات الماضية وكأن الجمهورية اليمنية يمكن إسقاطها تدريجياً، وأن المشهد النهائي سيكون سلطة للحوثي في الشمال وسلطة للانتقالي في الجنوب، وكأن اليمن مجرد جغرافيا قابلة للتقاسم بين قوتين مسلحتين. لكن الواقع أثبت أن هذه الحسابات كانت بعيدة عن فهم طبيعة اليمن وتعقيداته وتركيبته الاجتماعية والسياسية.

الأخطر أن هذا الخطاب لا يخدم حتى الجنوب نفسه، لأن الجنوب لا يحتاج إلى مزيد من العزلة والصدامات، بل يحتاج إلى مشروع دولة حقيقية تضمن العدالة والشراكة والتنمية وحقوق الناس. أما تحويل القضية الجنوبية إلى منصة صراع دائم مع فكرة اليمن، فذلك أدخل الجنوب في أزمات متراكمة وأضعف مؤسساته وأشغل الناس بخطابات الهوية بينما الخدمات والأمن والاقتصاد ينهارون أمام الجميع.

اليوم، وبعد كل هذه السنوات، بات واضحاً أن الحل الواقعي ليس في إعادة إنتاج مركزية ما قبل 2011، وليس أيضاً في مشاريع الانفصال التي تفتح أبواب صراعات لا تنتهي، بل في دولة اتحادية عادلة تعترف بالمظالم وتعالجها داخل إطار وطني جامع يضمن التوازن والشراكة.

ولهذا فإن أي مسؤول داخل مجلس القيادة الرئاسي يفترض أن يتحدث بعقل الدولة لا بعقل الفصيل، وأن يدرك أن وجوده في هذه المؤسسة يعني الالتزام بمعركة استعادة الدولة اليمنية لا الدخول في صراع مع هويتها السياسية.

أما استمرار الخطاب المتشنج ضد كل ما هو يمني، وضد أي حديث عن الوحدة أو الدولة، فلن ينتج إلا مزيداً من الانقسام داخل معسكر الشرعية نفسه، بينما الحوثي هو المستفيد الأول من هذا التآكل السياسي المستمر.