الثلاثاء 26 مايو 2026

اليمن أمام اختبار التفاهم الحاسم

في بلد أنهكته الصراعات وتعددت فيه مراكز القوة، لم يعد السؤال: من ينتصر؟ بل كيف يمكن إنقاذ ما تبقى وبناء مسار يوقف الانهيار؟ فالأزمة اليمنية لم تعد مجرد نزاع مسلح، بل تحولت إلى أزمة مركبة تضرب في عمق السياسة والاقتصاد والمجتمع، وتكشف عن خلل بنيوي في شكل السلطة وطبيعة إدارتها.

وتُظهر التجارب أن الحروب الداخلية ذات الطابع المعقد نادرًا ما تُحسم عسكريًا بشكل مستدام، بل تنتهي غالبًا بتسويات سياسية تفرضها كلفة الاستمرار في الصراع. وفي الحالة اليمنية تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا، في ظل توازنات هشة، وتعدد الفاعلين، وتشابك الأجندات الداخلية والخارجية.

إن أي مقاربة واقعية للحل يجب أن تنطلق من أولوية التسوية السياسية على منطق الغلبة. فمحاولات الحسم لم تنتج سوى مزيد من التشظي، بينما يظل التوافق السياسي ـ حتى وإن كان هشًا في بدايته ـ مدخلًا ضروريًا لإعادة بناء المجال السياسي وتهيئة الظروف لاستقرار طويل الأمد.

ولم تكن أزمة اليمن يومًا أزمة غياب حوار فقط، فاليمنيون خاضوا بالفعل واحدة من أوسع تجارب الحوار السياسي. لكن الإشكال الحقيقي ظهر عند لحظة الانتقال من التوافق النظري إلى التنفيذ العملي، خصوصًا في القضايا الخلافية الكبرى، وفي مقدمتها شكل الدولة وتقسيم الأقاليم، إلى جانب هشاشة الضمانات السياسية وتآكل الثقة بين القوى المختلفة. ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس إعادة تدوير حوار شامل جديد، بل إنتاج تفاهمات أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ، تقوم على مراجعة ما تعثر، والبناء على ما يمكن الاتفاق عليه، بعيدًا عن إعادة إنتاج الأزمات نفسها بصيغ مختلفة.

وفي هذا السياق، فإن أي تسوية سياسية مستدامة قد تفتح المجال أمام إعادة النظر في البنية الدستورية للنظام السياسي، بما في ذلك خيار الدولة الاتحادية (الفيدرالية)، وتحديد الأقاليم على أسس عادلة ومتوافق عليها، بما يحقق توزيعًا أكثر توازنًا للسلطة والثروة، ويعالج جذور الاختلالات التي أفرزها الصراع، وذلك ضمن إطار توافق وطني شامل لا يستثني أي طرف رئيسي، على أن تُترك تفاصيل آليات التنفيذ وضمانات الالتزام إلى ما يتم التوافق عليه ضمن الاتفاقات السياسية اللاحقة بين الأطراف المعنية.

وفي قلب أي تسوية سياسية، تبرز ضرورة الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة المرحلة الانتقالية، عبر توافق وطني شامل يشارك فيه مختلف الفاعلين، بما في ذلك الأحزاب والتنظيمات السياسية والقوى المجتمعية، باعتبارها ركيزة أساسية لإعادة بناء المجال العام واستعادة الدولة.

وأمام واقع الانقسام القائم، فإن أي مقاربة للحل لا بد أن تتعامل بواقعية مع تعدد السلطات والقوى المتقاسمة للنفوذ، باعتبارها جزءًا من المشهد السياسي الراهن لا يمكن تجاوزه أو القفز عليه، على أن تُدمج ضمن ترتيبات انتقالية لا تُكرّس الانقسام بل تمهّد لتجاوزه.

وفيما يتعلق بالمسار الأمني، فإن تثبيت التهدئة لا يكفي ما لم يترافق مع وقف إطلاق نار مستدام، وإعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية، ودمج التشكيلات المسلحة ضمن مؤسسات الدولة، بما يضمن احتكار الدولة للسلاح تدريجيًا.

ومع أن حالة المواجهة الشاملة تراجعت مقارنة بسنوات الحرب الأولى، إلا أن ما تعيشه اليمن اليوم أقرب إلى تهدئة هشة منها إلى سلام مستقر، في ظل استمرار المناوشات في بعض الجبهات وبقاء عوامل التوتر قائمة. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في وقف إطلاق النار، بل في تحويل حالة التهدئة إلى مسار مستدام لبناء الثقة وتهيئة البيئة السياسية والأمنية.

ولا يمكن لأي عملية انتقال سياسي أن تنجح دون معالجة الملف الاقتصادي، عبر توحيد المؤسسات المالية والنقدية، وضمان صرف المرتبات، وتحسين الخدمات الأساسية، باعتبار أن الانهيار الاقتصادي أصبح أحد أهم محركات استمرار الصراع.

ويفرض الملف الإنساني نفسه كأولوية عاجلة، من خلال فتح الطرقات والمنافذ والممرات الإنسانية، ومعالجة أوضاع النازحين، ودعم قطاعات الصحة والتعليم، بما يخفف من آثار الحرب على المجتمع.

كما أن أي تسوية مستدامة ستظل بحاجة إلى مقاربة وطنية للمصالحة والعدالة الانتقالية، تعالج آثار الصراع وتخفف من تراكمات الانقسام والكراهية، عبر آلية وطنية لجبر الضرر، وكشف الانتهاكات، وإعادة بناء الثقة داخل المجتمع.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن استمرار الأزمة خلال السنوات الماضية أفرز قوى ومراكز نفوذ ارتبطت مصالحها ببقاء حالة الانقسام، وهو ما يجعل أي تسوية حقيقية بحاجة إلى إرادة سياسية تتجاوز حسابات المكاسب الضيقة، وتعيد توجيه المسار نحو الدولة لا الصراع.

لكن الطريق إلى التسوية لن يكون سهلًا، فالتحديات كبيرة، وفي مقدمتها انعدام الثقة بين الأطراف، واستمرار التدخلات الخارجية، وتعقيد المشهد بتعدد القوى وتضارب المصالح. ومع ذلك، فإن التاريخ السياسي يثبت أن مثل هذه الأزمات يمكن تجاوزها متى ما توفرت إرادة سياسية حقيقية، وضغط مجتمعي داعم للسلام، والتزام جاد بإنهاء الصراع.

وفي ظل ما يعيشه اليمن من إنهاك سياسي واقتصادي وإنساني، لم يعد أمام القوى المختلفة ترف إضاعة المزيد من الوقت في إدارة الصراع دون أفق. فاستمرار الوضع القائم لا يعني سوى تعميق الانقسام واستنزاف ما تبقى من الدولة والمجتمع. ولذلك، فإن الحاجة اليوم لم تعد إلى شعارات جديدة، بل إلى إرادة سياسية قادرة على تحويل التهدئة الهشة إلى تفاهمات قابلة للحياة، تفتح الطريق أمام استقرار تدريجي وسلام مستدام طال انتظاره.