الجمعة 19 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • قراءة سريعة في خطاب د. العليمي في ذكرى توقيع اتفاق الوحدة!

قراءة سريعة في خطاب د. العليمي في ذكرى توقيع اتفاق الوحدة!

وأنا أتابع فقرات الخطاب الطويل لرشاد العليمي في الذكرى الـ36 لتوقيع اتفاق الوحدة بين حزبي المؤتمر الشعبي العام وجناح "الطغمة" في الحزب الاشتراكي اليمني، انتابني شعور بأن الرجل مازال غير مدرك أنه من موقعه يفترض أن يمثل شعبًا وليس فقط ممثلًا لجماعات المجلس الذي يرأسه!

جاء الخطاب طويلًا محلقًا في فضاءات بعيدة عن مرارات الواقع الذي تعانيه اليمن شمالًا وجنوبًا، والتحف الخطاب بمفردات وعبارات تشعر المتابع أن الوطن يعيش واقعًا لا يعكر صفوه أية منغصات!

بالغ العليمي في خطب ود "جماعة الانتقالي" المنحل شركاء مجلسه في صناعة الجانب الأكبر من مأساة اليمن عامة والمناطق المحررة خاصة، وأمعن الخطاب في تسامحه لدرجة كاد معها يتحول إلى عفوٍ عام يسبق تسليم المعنيين بالعفو أنفسهم للعدالة، وأعتقد أنه أراد لهذا الخطاب أن يكون مكملًا لخطوات التقرب إلى الجماعة التي اتهمها بالأمس بالخيانة العظمى ووصفها بالعصابة المسلحة والمعرقلة لمسيرة استعادة مؤسسات الدولة، وهي الخطوات التي بدأها بمنح الجماعة ما يقارب تسعة مقاعد في حكومته الأخيرة وغض الطرف عن متابعة تسليم المتهمين من أعضاء رئاستها إلى القضاء!

ظهر العليمي من خلال خطابه سجينًا لحالة صراع واحدة، وهي صراعه وجماعات مجلسه مع جماعة الإمارات الانتقالية، وكأن المناطق المحررة لم تشهد صراعات وإعلانات نفير دموية مناطقية مسلحة أخرى سواء في العام 2018م أو العام 2019م، نتج عنها خروج الكثير من القيادات والقوى بل والمحافظات من المشهد، وسقوط المئات من القتلى والجرحى، وإلحاق الضرر باللحمة الاجتماعية والسياسية في تلك المناطق!

ظهر الخطاب كأنه يريد الإعلان أن "ذكرى توقيع الوحدة" تجب ما قبلها، وهو خطاب اعتدناه في التاريخ التصارعي اليمني الحديث، إذ بات يمثل مخرجًا للحاكم الجديد من مواجهة القضايا وإيجاد الحلول لها، وأحد أهم الأسباب المؤدية دائمًا إلى تكرار الصراعات وعدم الاستقرار!

حمل الخطاب ولأول مرة اعترافًا رسميًا بأن هناك أسلحة مازالت بيد جماعة الانتقالي المنحل، وطالب الخطاب بإعادة تلك الأسلحة التي يظهر أنه تم تهريبها إلى بعض المناطق والقرى التي تمثل عمقًا مناطقيًا وقرويًا للجماعة!

لم يتطرق الخطاب إلى الأسباب والدوافع والمبررات للمتغيرات السياسية الهامة التي شهدتها الساحة في الأشهر القريبة الماضية، وأبرزها الوضع في محافظة حضرموت بعد العدوان عليها، وقرار إنهاء التواجد الإماراتي في اليمن، والأحكام التي صدرت ضد قيادة جماعة الانتقالي، وكذلك قرار حل الجماعة، وأيضًا الدعوة التي أُطلقت بشأن الحوار الجنوبي الجنوبي، وإلى أين وصلت، واكتفى بترديد عبارات الترفع عن الحديث بمنطق المنتصر والمهزوم على حد قوله، وهي خطوة يمكن أن تُقرأ بأنها محاولة لتطييب خاطر جماعة الانتقالي المنحل!

أشار العليمي في خطابه إلى أن الدولة قدمت تنازلات كبيرة في ملف الأسرى، ولم يحدد طبيعة تلك التنازلات ومدى ضررها على مستقبل اليمن ومعركة استعادة الدولة، وتجاهل دور سلطنة عمان في هذا الملف رغم حضور دور السلطنة من خلال رعاية المباحثات وتذليل الصعاب التي تواجهها، وهو أمر يثير الكثير من التساؤلات والشكوك حول صفو العلاقة بين مجلس العليمي وسلطنة عمان الدولة الجارة لليمن والتي تربطها علاقات لا تقل أهمية عن العلاقات مع الدول الجارة الأخرى!

تحدث العليمي عن ضرورة حشد الطاقات لإتمام معركة استعادة مؤسسات الدولة، ولم يتطرق إلى أهم عنصر لنجاح هذه المعركة وهو الدعوة إلى مصالحة وطنية وإصلاح سياسي حقيقي يتجاوز الاستقطابات وشراء الذمم، ويوحد الجهود ويحشد الطاقات لإدارة هذه المعركة!

تناول الخطاب كالعادة القضية الجنوبية من باب تجميل القول، وأنها تحتل أهمية وخصوصية وإلى آخره من عبارات ورثها الخطاب منذ العام 1994، ولكنه لم يتناول الخارطة التي بها سيحل هذه القضية التي مازالت إلى الآن دون ممثل، بعد أن تعثر وسقط الممثل الزائف الذي حاولت بعض الأطراف بما فيها جماعات مجلس رشاد العليمي أن تصنع منه ممثلًا وتفرضه على الإرادة الجنوبية!

وفي الوقت الذي مازال الخطاب يُقرأ ويتحدث عن الحوكمة وعن التغيير وعن تطوير المؤسسات وإحياء عملها، صدرت قرارات لوزير الداخلية شملت في أغلبها تدوير نفايات ينتمي الأغلبية الساحقة منها لجماعة الإمارات الانتقالية، وهو الأمر الذي يضع تساؤلات عن الاستراتيجية التي يتبعها العليمي ووزير داخليته والتي بها سيحدثون التغيير بالأدوات ذاتها التي كانت جزءًا من منظومة فساد عملت على تعطيل هذا التغيير على مدى سنوات!

كثيرة هي الأحلام والأماني التي لازمت العليمي وانسابت في أعطاف خطابه، ولكنها تظل أحلامًا إذا لم يرتقِ الخطاب ويواجه المشكلات بشجاعة ويسمي الأشياء بمسمياتها، ويعترف أن الوطن أكبر من جماعات ما يُسمى مجلس القيادة الذي يحاول العليمي استغلال أية مناسبة لتحويلها إلى مادة للترويج له ولجماعاته ولو على حساب قضايا الوطن وجراحات أبنائه!

الخلاصة التي يمكن أن يصل إليها المتابع للخطاب بعيدًا عن حشو الكلام وعبارات الدعاية والشعارات وأحلام اليقظة التي تمرغت فيها مفردات الخطاب، هي أن خطاب العليمي اليوم يشبه كثيرًا خطاب شريكه بالأمس الزبيدي الذي كان يصب في مضمار واحد فقط هو تثبيت حق الجماعة في تمثيل الجنوب، اليوم خطاب العليمي هو محاولة لتثبيت حق مجلس العليمي في البقاء في موقعه بعد موجات الرفض الشعبية والسياسية والوطنية التي تتصاعد ضد هذا البقاء غير المجدي!

كل عام ووطننا وشعبنا بخير وسلام وحرية واستقلال..