ما وراء الترند: كيف تكشف السوشيال ميديا ملامح المجتمع؟
في زمنٍ أصبحت فيه الهواتف الذكية نوافذ مفتوحة على الوعي الجمعي، لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للترفيه أو تبادل الأخبار، بل تحولت إلى مرآة تعكس صورة المجتمع بكل تناقضاته وميوله وأزماته وحتى مخاوفه الدفينة. فالترند اليومي لم يعد حدثًا عابرًا أو موجة رقمية مؤقتة، بل صار مادة قابلة للقراءة والتحليل، تكشف الكثير عمّا يدور في عقل المجتمعات العربية، واليمنية على وجه الخصوص.
لقد أصبحت “الترندات” أشبه باستطلاع رأي مفتوح، لكنه أكثر صدقًا وعفوية من كثير من أدوات القياس التقليدية. فمن خلال متابعة ما يتصدر النقاشات العامة، يمكن فهم ما يشغل الناس فعليًا: ما الذي يثير غضبهم؟ ما الذي يمنحهم شعورًا مؤقتًا بالأمل؟ ما الذي يضحكهم؟ وما الذي يخيفهم إلى درجة الصمت؟ فالمجتمع لا يعبّر فقط عمّا يتحدث عنه، بل أحيانًا عمّا يتجنب الحديث عنه أيضًا، لأن الصمت الجماعي قد يكون في كثير من الأحيان أكثر دلالة من الضجيج نفسه.
لكن فهم الترندات لا يقتصر على قراءة المحتوى الظاهر فقط، بل يتطلب فهم الآليات التي تصنعه وتدفعه إلى الواجهة. فالعالم الرقمي اليوم تحكمه خوارزميات معقدة لا تعمل بحياد كامل، بل تقوم بتفضيل المحتوى الأكثر إثارة للانفعال، سواء كان غضبًا أو خوفًا أو سخرية أو صدمة. ولهذا أصبحت المنصات الرقمية تُكافئ المحتوى الحاد والمثير أكثر من المحتوى المتزن والعقلاني، لأن اقتصاد المنصات قائم أساسًا على جذب الانتباه وإطالة زمن بقاء المستخدم داخل التطبيق.
ومن هنا، لم تعد الترندات انعكاسًا طبيعيًا للمجتمع فقط، بل أصبحت أيضًا أداة لإعادة تشكيل وعيه وتوجيه اهتماماته. فحين يتكرر محتوى معين بشكل مكثف، يبدأ في تشكيل تصور الناس عن الواقع، حتى لو لم يكن هذا المحتوى يعكس الحقيقة الكاملة. وهذا ما يفسر كيف يمكن لقضية هامشية أن تتحول خلال ساعات إلى قضية رأي عام، بينما تمر أحداث أكثر أهمية بصمت نسبي لأنها لم تحظَ بالدفع الخوارزمي نفسه.
في المجتمعات العربية، تكشف الترندات غالبًا عن حالة توتر مزمنة بين الواقع والطموح. ففي يوم واحد قد تتجاور موجات السخرية السياسية مع الجدل الديني، والاهتمام المفرط بالمشاهير، إلى جانب حملات تضامن إنسانية تعبّر عن عمق عاطفي لا يزال حاضرًا بقوة داخل المجتمعات العربية. هذا التناقض ليس دليلًا على التشتت بقدر ما هو انعكاس لحالة الضغط المركبة التي تعيشها المنطقة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، حيث تتحول المنصات الرقمية إلى مساحة للتنفيس الجماعي والهروب المؤقت من الواقع القاسي.
كما تكشف الترندات العربية عن أزمة ثقة متصاعدة تجاه المؤسسات التقليدية، سواء كانت سياسية أو إعلامية أو حتى ثقافية. فالجمهور العربي، خصوصًا فئة الشباب، أصبح يميل إلى تصديق “المؤثر” أكثر من تصديق المؤسسة، ويمنح المحتوى العفوي السريع تفاعلًا أكبر من التحليلات العميقة والخطابات الرسمية. وهذا التحول يعكس تغيرًا جوهريًا في بنية السلطة الرمزية داخل المجتمعات العربية، حيث لم تعد النخب التقليدية وحدها قادرة على تشكيل الرأي العام.
أما في اليمن، فإن قراءة الترندات تأخذ بعدًا أكثر حساسية وتعقيدًا. فاليمني الذي عاش سنوات الحرب والانقسام والانهيار الاقتصادي، وجد في وسائل التواصل الاجتماعي بديلًا عن المجال العام الغائب. هناك تُخاض النقاشات السياسية، وتُكشف قضايا الفساد، وتُطلق حملات التضامن، وتُبنى موجات رأي عام قد تتجاوز في تأثيرها بعض وسائل الإعلام التقليدية.
لكن اللافت في الحالة اليمنية أن الترندات لا تعكس فقط الانقسام السياسي، بل تكشف كذلك عن الاحتياجات الحقيقية للمجتمع. فعندما يتصدر الحديث عن انقطاع الرواتب، أو انهيار العملة، أو الهجرة، أو تدهور التعليم والخدمات الصحية، فهذا يعني أن الهم المعيشي أصبح أقوى من الخطابات الأيديولوجية الكبرى. وحين يشتعل الجدل حول قضايا مناطقية أو قبلية أو طائفية، فإن ذلك يكشف عن هشاشة البنية الاجتماعية، وعن فشل طويل في بناء مشروع وطني جامع قادر على تجاوز الانقسامات التقليدية.
وفي المقابل، تكشف بعض الترندات اليمنية عن جانب آخر أكثر إشراقًا، يتمثل في بقاء الحس الإنساني والاجتماعي حيًا رغم سنوات الحرب. فحملات التبرع، والتضامن مع المرضى، ومساندة المتضررين، والتفاعل مع قصص النجاح الفردية، تعكس أن المجتمع لا يزال يحتفظ بطاقة أخلاقية وإنسانية كبيرة، حتى في أكثر الظروف قسوة.
ولا يمكن تجاهل حقيقة أن الفضاء الإلكتروني العربي، واليمني تحديدًا، أصبح ساحة صراع سياسي وإعلامي مفتوح، تُستخدم فيه ما يُعرف بـ”الجيوش الإلكترونية” أو “الذباب الإلكتروني” لتوجيه الرأي العام وصناعة القضايا وتشويه الخصوم. فالكثير من الترندات لم تعد تنشأ بصورة عفوية بالكامل، بل تُدار أحيانًا عبر حملات منظمة تستخدم الحسابات الوهمية والتفاعل الاصطناعي والتضخيم المتعمد لصناعة انطباع جماهيري قد لا يكون حقيقيًا.
ومع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال، أصبحت القدرة على صناعة “الترند الوهمي” أكثر خطورة وتعقيدًا. فاليوم يمكن إنتاج آلاف التعليقات والصور والفيديوهات والمحتويات المزيفة خلال وقت قصير، بما في ذلك مقاطع “ديب فيك” وخطابات ملفقة يصعب على المستخدم العادي التحقق من صحتها. وهذا يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التلاعب الرقمي قد لا يكون فيها الصراع على الحقيقة نفسها، بل على قدرة الناس على التمييز بين الحقيقي والمصطنع.
إن أخطر ما تكشفه بعض الترندات العربية ليس فقط الانقسام أو التوجيه السياسي، بل مستوى الاستنزاف النفسي والاجتماعي الذي تعيشه المجتمعات. فحين تتحول القضايا المصيرية إلى مادة للسخرية العابرة، أو يصبح العنف اللفظي أمرًا اعتياديًا، فإن ذلك يعكس حالة من الإرهاق الجماعي وفقدان الثقة بجدوى النقاش العام. ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى المشهد الرقمي العربي بنظرة سوداوية مطلقة؛ فوسط هذا الضجيج تظهر أحيانًا موجات وعي ناضجة، ونقاشات مسؤولة، وحملات تضامن وإنصاف تكشف عن وجود جيل عربي أكثر جرأة وقدرة على مساءلة الواقع وكسر احتكار الرواية الرسمية.
في النهاية، لم تعد دراسة المجتمعات تقتصر على الكتب والإحصاءات والمؤسسات البحثية وحدها، بل أصبح بالإمكان قراءة تحولات الوعي العربي من خلال شاشة هاتف صغيرة. فالترندات ليست مجرد “مواضيع رائجة”، بل وثائق اجتماعية وسياسية ونفسية تكشف كيف يفكر الناس، وكيف يشعرون، وما الذي يخشونه، وإلى أين يتجه مزاجهم العام. ومن يقرأ ما وراء الترند، لا يرى فقط ما يحدث على الإنترنت، بل يرى صورة المجتمع نفسه وهو يتحدث بصوته الحقيقي؛ أحيانًا بصخب، وأحيانًا بصمت أكثر بلاغة من الكلام.
