اسـ ـرائـ يل المنبوذة .. والوعي العالمي الجديد
باتت حقيقة إسـ ـرائيل مكشوفة أمام ملايين البشر، ولعل الإبادة الجماعية في غزة وما رافقها من دمار وقتل وتجويع قد عرّت الصورة التي حاولت إسرائيل تسويقها لعقود طويلة باعتبارها “ضحية” . اليوم تبدلت المعادلة، وأصبح الرأي العام العالمي أكثر قدرة على رؤية المشهد من زواية مختلفة، لا من زاوية الإعلام الغربي التقليدي فقط.
لقد سعت إسرائيل لعقود، وبكل ما أوتيت من نفوذ سياسي وإعلامي إلى توظيف مأساة النازية وجرائم هتلر كذريعة أخلاقية وسياسية تمنحها حصانة دائمة أمام أي انتقاد، وتبرر من خلالها سياساتها العسكرية والأمنية تجاه الفلسطينيين. لكن العالم لم يعد يتأثر بالرواية التقليدية التي تحاول ربط أي انتقاد لإسرائيل بمعاداة السامية أو استحضار مآسي الحرب العالمية الثانية لتبرير القتل والتدمير وارتكاب جرائم الحرب. فالأجيال الجديدة باتت تنظر إلى الوقائع الميدانية والصور القادمة من غزة أكثر من استماعها إلى الخطابات السياسية القديمة.
إن التحولات التي يشهدها الرأي العام العالمي اليوم لا ترتبط فقط بالحرب الحالية، بل أيضاً بانهيار السردية التي احتكرت بها إسرائيل صورة “الضحية المطلقة” لعقود طويلة. فمع اتساع التغطية الإعلامية البديلة، وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، وتزايد التقارير الحقوقية الدولية، أصبحت صورة إسرائيل في نظر كثيرين مرتبطة بالحصار والاحتلال والقوة المفرطة، لا فقط بذاكرة الهولوكوست التي استخدمت طويلاً كدرع سياسي وأخلاقي أمام العالم.
مؤخراً، استنفرت إسرائيل عقب نشر مقال في صحيفة نيويورك تايمز للصحفي نيكولاس كريستوف حول الاعتداءات والانتهاكات الجنسية التي تعرض لها أسرى فلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية أو أثناء الاعتقال على يد جنود وحراس ومحققين ومستوطنيين إسرائيليين. ويستند المقال إلى مقابلات مع ضحايا وتقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية مختلفة التي بدورها وصفت بعض هذه الانتهاكات بأنها انتهاكات ممنهجة وتشمل الاغتصاب بأدوات و التعرية القسرية والتهديدات الجنسية والضرب والإذلال النفسي والجسدي، وحتى استهداف الأطفال المعتقلين والنساء. كما يناقش الكاتب حالة الصمت الدولي تجاه هذه الجرائم مقارنة بردود الفعل الواسعة تجاه الانتهاكات التي تعرض لها إسرائيليون في هجمات 7 أكتوبر، معتبرا أن حقوق الإنسان يجب أن تطبق على الجميع دون ازدواجية، مشيرا إلى أن غياب المحاسبة والإفلات من العقاب ساهما في استمرار هذه الانتهاكات بحسب شهادات الضحايا والتقارير الحقوقية.
في المقابل، تنفي الحكومة الإسرائيلية هذه الاتهامات وتصفها بأنها غير مثبتة وأن لا أساس لها من الصحة. وسارعت الجهات الإسرائيلية وعلى راسهم رئيس الوزراء نتنياهو إلى اتهام الكاتب بمعاداة السامية وتشويه صورة اسرائيل متوعدة الكاتب بملاحقته. غير أن هذه الورقة التي استخدمتها الحركة الصهيونية طويلاً باتت تفقد تأثيرها تدريجياً، لأن العالم لم يعد يتلقى الرواية الواحدة دون تمحيص.
إسرائيل اليوم تنفق ملايين الدولارات على حملات إعلامية لتحسين صورتها أمام العالم، في محاولة لاحتواء حالة الغضب الدولي المتصاعدة ساعية بكل الوسائل إلى شراء الدعم السياسي والإعلامي، وإعادة تلميع صورة تضررت بشدة نتيجة الفضائح والانتهاكات التي كشفتها الحرب الأخيرة على غزة. لكن حجم المشاهد الدموية والتقارير الحقوقية المتتالية جعل مهمة ترميم تلك الصورة أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
من ناحية أخرى، أسهم موقف المحكمة الجنائية الدولية في تعرية المشهد بشكل أكبر، بعدما أصدرت أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي ومسؤولين آخرين باعتبارهم متهمين بارتكاب جرائم حرب، مع حديث متزايد عن أسماء جديدة يجري التحضير لإدراجها ضمن ملفات الملاحقة. هذه التطورات لم تعد مجرد مواقف سياسية أو إعلامية، بل تحولت إلى مسار قانوني دولي يعكس حجم الانتهاكات التي بات العالم يشاهدها بشكل يومي.
لقد لعبت ولاتزال وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في هذا التحول؛ فقد كسرت احتكار الصورة والخبر، وسمحت بوصول الرواية الأخرى التي كانت تُحجب أو تُشوَّه لسنوات. ملايين المقاطع والصور والشهادات الخارجة من غزة ومن الأراضي الفلسطينية جعلت من الصعب إخفاء الحقيقة أو إعادة صياغتها وفق الرواية الإسرائيلية التقليدية. بل الاعجب ظهور اصوات اعلامية غربية تكشف حقيقة اسرائيل وتنادي بحقوق الفلسطينيين..
العالم اليوم ليس كالأمس، فالأجيال الجديدة في الغرب لم تعد تنظر إلى إسرائيل بالمنظار ذاته الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية، بل أصبحت تربطها بمشاهد الحصار والقصف والقتل الجماعي والانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان. ولهذا، فإن اتساع موجة الانتقادات والمقاطعات والاحتجاجات ضد إسرائيل في الجامعات والشوارع الغربية لم يعد حدثاً عابراً، بل مؤشرا على تغير عميق في الوعي العالمي تجاه القضية الفلسطينية وحقيقة ما يجري على الأرض.
