الثلاثاء 26 مايو 2026
  • الرئيسية
  • أبين وفكرة الخروج من المأزق الوطني

أبين وفكرة الخروج من المأزق الوطني

لسنوات طويلة جرى التعامل مع التنوع القبلي والمناطقي في اليمن باعتباره مشكلة يجب القضاء عليها، بينما الحقيقة أن المشكلة لم تكن يومًا في التنوع نفسه، بل في غياب الدولة العادلة التي تدير هذا التنوع وتحوله إلى مصدر قوة واستقرار. نحن في النهاية مجتمع تشكل من قبائل وعشائر ومناطق متعددة، ولا يمكن بناء وطن مستقر إلا على قاعدة الشراكة والتعايش والاعتراف المتبادل.

اليوم، وبعد كل ما مرت به البلاد من حروب وصراعات وانقسامات، أصبح من الضروري إعادة قراءة التجارب السياسية السابقة بعقل هادئ بعيدًا عن الأحقاد والشعارات. ومن بين التجارب التي تستحق التوقف أمامها تجربة محافظة أبين ودورها في الحياة السياسية الجنوبية واليمنية عمومًا.

لقد خرج من أبين رجال دولة كان لهم حضور مؤثر في مراحل مفصلية من تاريخ الجنوب، من سالم ربيع علي إلى علي ناصر محمد، ومع اختلاف الناس معهم سياسيًا، إلا أن كثيرين يتفقون أن تلك المرحلة لم تكن قائمة على احتكار السلطة لصالح منطقة بعينها، بل كان هناك حضور لمختلف المناطق الجنوبية في مؤسسات الدولة والجيش والإدارة.

وهنا تكمن الفكرة المهمة التي نحتاجها اليوم: الدولة لا تُبنى بالغلبة، ولا تستقر بالإقصاء، ولا تستمر عندما تتحول المؤسسات إلى أدوات لخدمة منطقة أو جماعة أو فئة. التجارب التي حاولت الاستحواذ على السلطة والثروة أنتجت مزيدًا من الكراهية والانقسام، بينما التجارب التي اقتربت من الشراكة الحقيقية كانت أكثر قدرة على حفظ التوازن الاجتماعي والسياسي.

لقد كانت أحداث أحداث 13 يناير 1986 واحدة من أكثر المحطات قسوة في تاريخ الجنوب، ليس فقط بسبب الدم الذي سال، بل لأنها فتحت أبواب الانقسام المناطقي وأدخلت المجتمع في دائرة من الشك والثأر السياسي ما زالت آثارها مستمرة حتى اليوم. ولهذا فإن أي مشروع إنقاذ حقيقي يجب أن يبدأ بإغلاق هذا الملف أخلاقيًا وسياسيًا، لا بإعادة إنتاجه في الخطاب والإعلام والتحريض.

إن الحديث اليوم عن دور أبين ليس دعوة لتقديم منطقة على أخرى، ولا محاولة لصناعة وصاية سياسية جديدة، بل دعوة لفهم طبيعة هذه المحافظة التي ظلت تاريخيًا أقرب إلى فكرة التوازن والانفتاح، ولم تعرف في تجربتها السياسية نزعة العزل أو الإقصاء بالمفهوم الذي شهدته تجارب أخرى. ولهذا فإن عودة أبين لتلعب دورًا وطنيًا جامعًا يمكن أن تمثل مدخلًا مهمًا لتخفيف الاحتقان وإعادة بناء الجسور بين القوى والمكونات المختلفة.

ما يحتاجه اليمن والجنوب اليوم ليس المزيد من الخطابات المتشنجة، بل عقل سياسي جديد يعترف بأن الجميع خسروا من الصراع، وأن لا منطقة تستطيع أن تحكم وحدها، ولا جماعة قادرة على إلغاء الآخرين. الوطن لا ينهض إلا عندما يشعر الجميع أنهم شركاء فيه، وأن الدولة تحمي الجميع ولا تعمل لصالح طرف ضد آخر.

إن التفاؤل بأي تقارب أو اجتماع لرجال وقبائل أبين حول مشروع وطني جامع يجب أن يُنظر إليه باعتباره خطوة في الاتجاه الصحيح، لأن إنقاذ الوطن لن يتم عبر مشاريع الانتقام أو الهيمنة، بل عبر مشروع دولة عادلة تستوعب الجميع وتعيد الاعتبار لفكرة الشراكة الوطنية التي ضاعت وسط صخب الصراعات والحروب.

احمد حميدان