الثلاثاء 26 مايو 2026

الحرب الإيرانية.. رهانات العودة

لم تعد احتمالات العودة إلى الحرب كما كانت عليه سابقًا، بعدما فرضت نتائج المواجهات الأخيرة معطيات جديدة أعادت صياغة أولويات الحرب القادمة إيرانيًا وأدواتها، لتبقى رهانات الحرب المقبلة قائمة على واقع أكثر تعقيدًا وأكثر من أي وقت مضى.


تتصاعد الأحداث العسكرية الإقليمية مجددًا، مع عودة احتمالات المواجهة بين أطراف الصراع في المنطقة؛ بين إيران ووكلائها الإقليميين من جهة، وإسرائيل المدعومة من الولايات المتحدة من جهة أخرى.

وبعد موجة التفاوضات الإيرانية -الأمريكية الأخيرة، تتزايد التساؤلات حول احتمالات ومآلات الصراع، في ظل تصاعد الحديث عن إمكانية العودة إلى المواجهة العسكرية باعتبارها السيناريو الأقرب خلال الأسابيع الأخيرة، رغم حالة خفض التصعيد التي سادت المرحلة الماضية.

تبدو إيران منهكة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، رغم محاولاتها إظهار التماسك الداخلي والتقليل من حجم خسائرها، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من أوراق القوة المتاحة لديها. إلا أن طبيعة التهديدات الإيرانية لم تعد موجهة بصورة مباشرة نحو الولايات المتحدة أو إسرائيل بقدر ما أصبحت تتجه نحو المحيط الإقليمي، وتحديدًا دول الخليج ومصادر الطاقة النفطية والغازية وإمداداتها الحيوية.

وتدرك طهران أن استمرار حالة القلق المرتبطة بأسواق الطاقة العالمية، أو التلويح بإمكانية تهديد استقرار الإمدادات النفطية والغازية، قد يخلق حالة ضغط دولية واسعة، خصوصًا على الدول الغربية والخليجية الأكثر ارتباطًا باستقرار هذا القطاع الحيوي. ومن خلال ذلك، تسعى إيران إلى دفع الولايات المتحدة نحو صيغة تفاهم أو اتفاق يضمن لها الخروج بأقل قدر ممكن من التنازلات السياسية والاستراتيجية.

في المقابل تبدو إيران مدركة أيضًا أنها لم تعد تمتلك أدوات الضغط ذاتها التي كانت تمتلكها قبل الحرب. فالصورة الرمزية التي عملت طهران على تسويقها باعتبارها قوة إقليمية قادرة على إحداث ضرر وجودي بإسرائيل أو بالقواعد الأمريكية في المنطقة، تعرضت لاختبار قاسٍ كشف حدود القدرة الإيرانية وحجمها الحقيقي.

كما تراجعت فاعلية الوكلاء الإقليميين بصورة واضحة. ففي لبنان، دخل حزب الله في دائرة مواجهة معقدة فرضتها الاعتبارات الإيرانية، وبات من الصعب استمرارها أو إنهاؤها، خصوصًا مع إصرار إسرائيل على فصل الحرب في جنوب لبنان عن أي تفاهمات أمريكية -إيرانية.

أما في اليمن، فلم ينجح الحوثيون في بناء صيغة سياسية داخلية أو إقليمية ودولية تسمح بانخراط مباشر وواسع في الصراع، في ظل أولوية الحسابات المحلية والإقليمية القريبة، وخشية الظهور كأداة إيرانية مباشرة. لذلك اقتصر التصعيد على الضربات المباشرة تجاه إسرائيل، دون الوصول إلى مستوى مواجهة واسعة قادرة على التأثير الحقيقي في الملاحة الدولية أو في مضيق باب المندب.

وفي العراق، الذي يُعد أحد أهم مراكز النفوذ الإيراني، تبدو القوى السياسية والفصائل المسلحة أكثر ميلًا لتجنب الانخراط المباشر في الحرب. فحجم المصالح الاقتصادية والسياسية المتراكمة داخل الدولة العراقية خلق حالة من الحذر السياسي والعسكري، دفعت كثيرًا من الفصائل الشيعية المرتبطة بطهران إلى تفضيل الحفاظ على مكاسبها بدل المغامرة بخسارتها في مواجهة مفتوحة، خصوصًا أن النفوذ الأمريكي مايزال حاضرًا ومؤثرًا داخل العراق.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو إيران وكأنها تلعب بآخر ما تبقى لديها من أوراق ضغط، معتمدة على فرضية أن الولايات المتحدة لا تفضّل العودة إلى الحرب، خصوصًا في ظل المناخ السياسي الداخلي الأمريكي والغربي المتحفظ تجاه أي تصعيد عسكري جديد في المنطقة.

إلا أن الرهان الإيراني على هذا الاحتمال قد يتحول إلى مخاطرة باهظة الكلفة. فعودة الحرب، إن حدثت، قد تُحمّل إيران أثمانًا كبيرة، ليس فقط على المستوى الداخلي، بل أيضًا على المستوى الإقليمي، وعلى مكانتها على خارطة النفوذ وداخل دائرة فرض التوازنات في الشرق الأوسط.

وبين احتمالات العودة إلى الحرب ورهانات الأطراف المختلفة، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة إعادة تشكيل شاملة لموازين القوى والنفوذ، في ظل حالة سيولة استراتيجية تجعل كل الخيارات مفتوحة.