السبت 30 مايو 2026
  • الرئيسية
  • تعقيب بشأن ما ورد في مقالي عن آية سورة الأنفال

تعقيب بشأن ما ورد في مقالي عن آية سورة الأنفال

لَمَّا نَشَرتُ مقالي حول معنى آية سورة الأنفال: ﴿وَاتقوا فِتنةً لا تُصِيبينَّ الذين ظلموا منكم خاصَّة﴾، أرسلته لبعض الأصدقاء الأعزاء، والأساتذة الجامعيين؛ فَأعُجِبَ به وقال إنه: «مقال بحثي ممتاز ومفيد».


ثُمَّ أرسله بدوره لشخص آخر لا أعرفه؛ ذكر أنَّه من الإخوة الممتازين في النحو، فَأثنى هذا الأخ على كاتب المقال، واستدرك بـ «لكن».
وكنت أنتظر من هذا الأخ أن يناقش المسألة من جهة النحو، إلا أنه قدَّم بين يديه كَلامًا عن: أهمية تفسير القرآن بالقرآن، وَأنَّه ليس بصدد الردِّ على الأشعرية والمعتزلة، غيرَ أنَّ أئمة هاتين الفرقتين -كما قال- يُحمِّلُون معاني آيات القرآن الكريم مَحَامِلَ لا يحتملها النص.
وَلعلَّ هذا الأخ الكريم في حديثه عن الأشاعرة يشير إلى ما ذكرته عن الإمام الكبير فخر الدين الرازي؛ في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية...﴾...إلخ الآية.
هذا معنى وَخُلَاصة كلامه. والحقيقة أنَّ مسألة تفسير القرآن بالقرآن ليست بجديدة، وَلا هي بالخافية على أئمة العلم؛ ولا سيما متكلمي هاتين الفرقتين العظيمتين؛ وهم -مع غيرهم من علماء المذاهب الإسلامية- مِنْ أسعد الناس بها، وأكثرهم عَمَلاً بها.
وهي قديمة قِدَم الصحابة أنفسهم. وهناك روايات عن ابن عباس تفيد بِأنَّ القرآن يُفسِّر بَعضه ُبَعضًا.
وعلماء التفسير يجعلون «تفسير القرآن بالقرآن» من أحسن طُرُق التفسير؛ فمَا أجْمِلَ من القرآن في موضع، فُصِّلَ في آخر، وَمَا أُوجِزَ في مكان، بُسِط في مكانٍ آخر. فإن تَعذَّرَ ذلك؛ فبالسنة؛ لأنَّها شارحة ومبينة للكتاب العزيز. (البرهان في علوم القرآن: 2/ 175).
وَلَم تَذبَّ فِرقةٌ من فرق الإسلام عن الإسلام والقرآن -فيما أعلم- كما ذَبَّ أئمة الأشعرية والمعتزلة؛ وهاتان الفرقتان قد ألفتا مؤلفات كثيرة في القرآن الكريم وعلومه: َتفسيرًا، وَتَأويلاً، وإعجازًا، وَأحكامًا، وَمعانيًا، وَبَيانًا، وإعرابًا... إلخ.
وَذَكرَ الأخ أنَّ الآية واضحة وضوح الشمس. وَلَعلَّهُ يقصد: ﴿واتقوا فتنة لا تُصِيَبنَّ الذين ظلموا منكم خاصة﴾.
ولو كان الأمر كَمَا ذكر؛ لَمَا اختلف النحاة والمفسرون في تأويل معناها. وَليَعُد إلى كتب التفسير كَـ «الكشَّاف» للزمخشري، و«المحرر الوجيز»، لابن عطية، و«البحر المحيط»، لأبي حيان، وَمَا كتبه كٌلٌّ من الفراء والأخفش في «معاني القرآن»، وأبو علي الفارسي، أو ابن هشام الأنصاري في «مغني اللبيب»، والأخير ناقشها بتفصيل واستفاضة في كتابه هذا.
ثُمَّ جاء هذا الأخ الكريم بآية على جهة الاستدلال، ومضمونها يتقض ما ذهب إليه. فقال: إنَّ آية: ﴿وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون﴾. [هود: 117]، تُفسِّر قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا فتنةً لا تُصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصة﴾. [الأنفال: 25] .
ثُمَّ شَرَعَ يفسرها من عنده تَفسيرًا غَريبًا؛ فقال: إنَّ الله يهلك القرى: ظالمها، وصَالحها مَعًا! فإنَّ صَلاح القرى -كَمَا ذَكَر- لَيسَ كافيًا لنجاتها، حتى تكون مًصلِحة!
وهذا الكلام معروف مصدره، ومن أين جاء به. فإنَّ الثابت من أيديولوجيات الجماعات المتأسلمة أيام نشاطها، وبزوغ نجمها، أنَّ الواحد منهم كَانَ يأتي الشخص المستقيم المواظب على فروضه الدينية، وهو مع ذلك ملتزم بآداب وأخلاق الإسلام من الصدق، وأداء الأمانة، وَحُسن الخلق؛ فيقول له: إنَّ صلاحَكَ هذا لا يكفي، وليس بنافعك في شَيءٍ؛ حتى تكون شَخصًا فَعَّالاً مُصلحًا في مُحِيطِكَ ومجتمعك؛ وَتنضمَّ إلينا.
ألا ترى هذا المجتمع كيف يَتخبَّط أهله في ظلام الجاهلية، والشرك، والبدع؟
ألا تلاحظ الانحراف والفساد الذي استشرى فيه، والجماعات العلمانية الضالة التي تتظاهر بمذاهبها الهدَّامة والكفرية... إلخ.
فَتفسير هذا الأخ لمعنى كلمة «مصلحون»، فيه إسقاط لفهمه أو فهم هذه الجماعة لمعنى الآية.
أمَّا ما يذكره المفسرون في شأنها، فيؤكد- في أحد معنييها- ما ذهبت إليه، وينقض كلامه؛ وَهُوَ أنَّ الله لا يهلك القرى ظَالمًا لها، وأهلها مصلحون.
أمَّا تفريقه بين لفظتي: «صالحون»، و «مصلحون». فإنَّ هاتين الصيغتين الصرفيتين قد تتبادلان نفس المعنى في العربية؛ وذلك نحو «ناظر»، و«منتظر».
قال تعالى على لسان ملكة سبأ: ﴿وإني مرسلة إليهم بهدية فَنَاظِرةٌ بِمَ يرجع المرسلون﴾. [النمل: 35]؛ أي منتظرة.
ثم إنَّ أكثر آيات القرآن تَعِدُ -ووعد الله لا يتخلف- الذين آمنوا وعلموا الصالحات بِجنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار، وأنَّه -سبحانه وتعالى- يحييهم حَياةً طيبة في الحياة الدنيا، ويجزيهم الجزاء الأحسن في الآخرة. قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالحًا من ذَكرٍ أو أثنى، وهو مؤمن؛ فلنحيينه حَياةً طيبة؛ ولنجزينَّهُم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾. [النحل: 97].
فكيف يقول إنَّ الصلاح ليس بِكافٍ وَحدَهُ للنجاة؟!
وهل الهالك بعمل غيره، يكون مِمَّن أحياه الله حَياةً طيبة؟!
ولو سَألتَ هذا الأخ وقلت له: أليس الرجل لو أصلح نفسه، فَضلاً عن أهله وأسرته، وَكَانَ مُحافظًا على آداب وأخلاق الإسلام بأداء الأمانة، والتحلي بالصدق، والتقوى، والعدل، والأخلاق الحسنة= ألا يقال له في أصل اشتقاق العربية: «مُصلِحًا»؟!
وَحِينَ تطرق إلى ضرورة تفسير القرآن بالقرآن، مُنحيًا باللائمة على الأشعرية والمعتزلة بِأنَّهُم لم يعملوا بها= فَاتهُ أن يَعملَ بهذه القاعدة. فِإنَّ الظلم المذكور في هذه الآية يفسره قوله تعالى: ﴿إنَّ الشِّركَ لَظلمٌ عظيم﴾. [لقمان: 13].
قال الإمام البغوي -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: ﴿وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون﴾. [هود: 117]: «أي: لا يهلكهم بشركهم، وأهلُهَا مصلحون فيما بينهم؛ يتعاطون الإنصاف ولا يظلم بعضُهم بَعضًا؛ وإنَّما يهلكهم إذا تظالموا».
«وقيل: لا يهلكهم بِظُلمٍ منه؛ وهم مصلحون في أعمالهم، ولكن يهلكهم بكفرهم وركوبهم السيئات». (معالم التنزيل: 4/ 206).
فَأنتَ تلاحظ إلى أنَّ الإمام البغوي فَسَّر الظلمَ الوارد في آية هود بِالشِّرك؛ وِفقًا للآية الواردة في سورة لقمان: (إنَّ الشِّركَ لَظُلمٌ عظيم).
وحكايته للمعنى الثاني للآية الثاني بصيغة التضعيف: «قيل».
وفي تفسيره لمعنى الآية دِلالةٌ على أنَّ الشرك ليس بِدَاعٍ -وحده- إلى عقوبة الإهلاك؛ مادام أهله يشيع بينهم التناصف، والعدل، والرحمة، وعدم الظلم لبعضهم. وهذا معنى كلام الإمام جعفر الصادق -رضي الله عنه- والعلامة ابن تيمية- بِأنَّ الله يؤيد الدولة الكافرة العادلة على الدولة المسلمة الظالمة التي يهلكها.
تنبيه لا بُدَّ منه
أرَدتُ بهذا التنبيه توضيح أنَّ الفرَّاء حين عرض لتوجيه معنى الآية (واتقوا فتنةً لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصَّة) في كتابه «معاني القرآن»، لم يَزِدْ على هذه الجملة؛ وهو أنه: «أمرهم، ثُمَّ نَهَاهُم. وفيه طرفٌ من الجزاء؛ وإن كانَ نَهيًا».
فَمَا ذُكِرَ بعد ذلك من أمثلة لتفسير قوله، فهو من أقوال النحاة الذين رَدُّوا عليه كأبي علي الفارسي وغيره.
وقد سَاقَ أبو علي الفارسي كلام الفراء على نحو مختلف عنه؛ فإمَّا أن يكون من اختلاف النُّسَخ، أو أنَّ أبا علي الفارسي سَاقَها من حفظه؛ فحصل الاختلاف في النقل عنه.
قال أبو علي الفارسي: «زَعَمَ بعض النحويين أنَّ هذا الكلام جزاء فِيهِ طَرفٌ من النهي».
ولتوضيح كلام الفراء نرى من المهم أن نُحَلَّلَ هذه الجملة الطلبية المركبة المفيدة للتحذير إلى قسمين: الأولى: جُملة الأمر الإيجابية: (اتقوا)، والثانية: جُملة الأمر السلبية (نهي): (لا تصيبينَّ).
ومضمون كلامه أنَّ هاتين الجملتين ينتظم فيها شَيءٌ من الجزاء أو أنَّ بِهَا أثارةٌ منه. بمعنى: أنه حذرهم فتنة؛ وهذا ما يدل عليه الفعل (اتقوا)، إن لم يتوقوها أصابتهم مَغبَّة عواقبها؛ وهو ما عبرت عنه قراءة: (لَتُصِيبنَّ الذين ظلموا منكم خَاصَّة)، عن علي، وابن مسعود، والباقر، وأبي العالية.
وهي بنفس معنى الآية الواردة في سورة النمل: ﴿يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم؛ لا يَحطمنَّكم سليمان وجنوده، وهم لا يشعرون﴾. [النمل: 18].
فَإنَّ النملة طلبت من زميلاتها دخول مساكنهم، ثُمَّ حذرتهم بصيغة النهي من أن يحطمهم سليمان وجنوده، وهم لا يشعرون؛ في حال لم يَدخُلوا مَسَاكِنهم.
وهذا معنى ما تدل عليه الصيغة الشرطية التي عَبَّرَ عنها الفراء؛ بَأنَّ الجملة فيها معنى الجزاء. بمعنى إن لم تدخُلوا مساكنكم؛ لَيحطمنكم سليمان وجنوده. وإن لم تتقوا؛ لَيُصِيبنَّ.
وبتغيير صيغة الجملتين (الأمر+ النهي) إلى شرط وجزاء، لا تعود الجملة الثانية (جملة الجزاء) على ماهي عليه (ناهية)؛ فهي -أي صيغة الشرط والجزاء- تُحَذِّر وتنبئ بعواقب مخالفة الأمر وانتهاك حيثياته. فمن لم يدخل من النمل إلى مسكنه سيحطم لا محالةَ بأقدام سليمان وجيشه، ومَنْ لم يتقِّ الفتنة ويجتنبها؛ سيصاب -ولا شك- بشؤمها، ويذوق وبالها.
وبهذا يظهر في كلا الجملتين معنى الإتيان بنون التأكيد، سَواءٌ في جملة النهي (لا يحطمنكم)، (لا تُصيبينَّ) فإنَّ نون التوكيد تلحق بالفعل المسبوق بلا الناهية إلى حَدٍّ قَريبٍ من الوجوب، كَمَا يقول علماء العربية، وكذلك الحال فيما لو حولناها إلى جملة شرط، تكون اللام مساقة للتوكيد وواقعة في جواب قسم.
كأنه قال: إن لم تدخلوا مساكنكم، والله ليحطمنكم سليمان وجنوده. وإن لم تتقوا الفتنة، والله ليصيبنَّ الذين قارفوها وبال أمرهم الذي خالفوه.
تنبيه ثاني:
أكثر علماء العربية كأبي علي الفارسي، وأبي حيان، وغيرهما من المفسرين في سياق شرح كلام الفراء وردهم عليه بتمثيل كلامه في معنى الجزاء بصيغة الإثبات.
قال أبو علي الفارسي وغيره: «فإذا قلت: انزل عن الدابَّة لا تطرحك أو لا تطرحنك. فهذا جواب الأمر بلفظ النهي».
وبرأي الباحث أنَّ الصيغة المُثلَى لتقدير الشَّرط هي النفي. فإنَّكَ لو حذرت صَبيًّا اقترب من النار مَثلاً، وقلت له: انتبه من النار لا تحرقك أو لا تحرقنك على وجه التأكيد. فتركيب الشرط فيها يكون على جهة النفي نحو: إلا تنتبه؛ تَحرِقْكَ، أو لتحرقنك النار، على جهة التأكيد.
فإنَّ التأكيد ليس مُنصبًا على النفي كما مَثَّلوا له، وَإنَّمَا المؤكد هو إثبات الجزاء في حال مخالفة مضمون الشرط: (لتحرقنك النار) كما في المثال، و(لَتُصِيبنَّ) كما في الآية.
فَصِيغة الأمر الأولى؛ وهي المتضمنة للتحذير توحي بأنَّك: إلا تفعل ما آمُركَ به وحذرتك منه؛ فإنَّ العواقب ستصيبك لا محالة.
وهي مثل: لا تقترب من الأسد يَأكلْكَ. فتقدير شرطها يكون بالإثبات: إن تَقتَرِبْ من الأسد يأكلك.
ماذا نلاحظ؟
مِنْ المُلاحظ أنَّ هذا النوع من التركيب النحوي يُؤتى به في سياق التحذير الشديد من مغبة حصول شيء في حال مخالفة مقتضاه.
وهو شبيه بِالتركيب النحوي المسبوق بالنهي: ﴿لا تفتروا على الله كَذبًا فَيسحِتَكُم بعذاب﴾. [طه: 61].
ولعله بنفس درجته، أو أنه أعلى منه في قوة طلب الامثتال وفوريته.
فإنَّك إن ركبت الآية الواردة بسورة طه بصيغة الشرط، قلت: إن افتريتم على الله كَذبًا؛ استأصلكم بعذابه.
وهذا يؤكد أنَّ الصيغة المثلى لصيغة الطلب الموجبة تقدير الشَّرط منفيًّا، والعكس صحيح، كما في آية (لا تفتروا).
خُلاصة رد الفارسي على الفراء:
يتلخص رَدُّ أبي علي الفارسي على الفراء أنه من المستحيل أن يكون جواب الأمر بلفظ النهي، كَمَا يستحيل أن يكون جواب الشرط بلفظ النهي؛ لأنَّ الجزاء خَبر؛ والأخبار لا تجيء على صيغة الطلب أو الأمر، مع أنه قد يجيء الأمر على لفظ الخبر.
ويقول: «إنَّ مجيء الخبر على لفظ الأمر لم يأت إلا في قولهم: «أكرم به».
أقول: قوله: مجيء الأمر على صيغة الخبر، يمثل له المفسرون بقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن﴾. بمعنى ليتربصن على جهة الأمر، أو عليهن أن يتربصن.
لكن حصره مجيء الخبر على لفظ الأمر، بصيغة التعجب (أكرم به)، يَرُدُّه ما ذكره المفسرون بأنَّ بَابي الأمر والخبر يتداخلان، ويمثلون له بقوله تعالى: ﴿قل أنفقوا طوعًا أو كرهًا لن يُتَقبَّلَ منكم﴾ [التوبة: 53]. بمعنى إنَّ إنفاقكم طائعين أو مكرهين غير مقبول منكم. و﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ [التوبة: 80]. بمعنى: الاستغفار وعدمه سواء في عدم مغفرة الله لهم. و ﴿من كان في الضلالة، فليمدد له الرحمن مَدًّا﴾. [مريم: 75].
وكما هو ملاحظ أنَّ الآيتين الأولتين جاءت فيها الجملة الأمرية بمعنى الخبر. أمَّا الآية الأخيرة، فَمِثال ظاهر، وَردّ صريح على مَا ذهب إليه أبو علي الفارسي. فإنَّ جملة الجزاء (فليمدد له الرحمن مَدًّا)، جِيَء بها بصورة الأمر، وإن كانت بمعنى الخبر.
بمعنى من كان في الضلالة يمهله الرحمن، ولا يعاجله بالعقوبة إمَّا على سبيل الاستدراج، حتى يلقى صدق ما وعده الله، أو على سبيل الإفساح له حتى يراجع نفسه ويتوب.
يقول علماء المعاني: أنَّ نكتة مجيء الجملة هنا بصيغة الأمر؛ لمزيد التأكيد وإلزام النفس. وذلك نحو قولك: «من أهمل حقي؛ فلأهمله». فهذا آكد وأكثر لُزومًا من قولك: «أهمِلْهُ».
وبمقارنة هذه الآية الواردة في سورة مريم، وآية سورة الأنفال: (لا تصيبنَّ) يلاحظ أنَّ جملة الجزاء في سورة مريم متحققة الوقوع. فإنَّ الله قضى في سابق علمه أنَّ من كان في الضلالة أن يُمِدَّ له ويمهله.
فَلو ثَبتَ شرط الضلال من شخص؛ تحقق الجزاء بإمداد الله له؛ لأنه أمر تكويني قدري. فمن كان في الضلالة؛ مَدَّ الله له على جهة الجزاء لضلالته.
بخلاف جملة النهي؛ فإنه يتصور الخروج على مضمونها ومخالفته. فهو -في آخر الأمر- أمرٌ شرعي، لا يتصور من كُلَّ أحدٍ امتثاله، أو الوقوف عند مقتضاه. كفعل آدم حين أكل من الشجرة مع سبق نهي الله له.
وَالشَّاهِد من الآية الواردة في سورة مريم أنَّ جملة الجزاء جاءت بلفظ الطلب (الأمر)، ومعناها الخبر.
ومع تقدير الشرط وجزائه، تخرج جملة الجزاء عن صيغتها الطلبية؛ لتصير صيغة خبرية؛ حتى يَتِمَّ ترتيب الجزاء على الشرط؛ وكذلك هو الحال في آية: (اتقوا فتنة لا تصيبين)، و(ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم).
خِتامًا:
إنَّ هذا التركيب النحوي كسائر التراكيب النحوية التي يحفل بها الكتاب العزيز ثري، ويحمل دلالات كثيرة، يمكن قراءتها وتوجيهها على أكثر من وجه، فيما لو أمعنَّا النظر فيها.