محمد قحطان... مراثي الرهينة!
إن كان الخبرُ يقيناً، فقد أُسدل الستار على أبشع فصول المهانة التي عرفها تاريخ الخصومة اليمني. لقد قتلوه، ولم يعد للغة معنى حين يسيل دم السجين السياسي ليغسل عار الهزيمة في قلوب سجانيه.

لا يهم بأي سلاحٍ هوى قحطان، فكل الأسلحة التي استُعملت ضده كانت صدئة، حاقدة، ومغمسة بذكورية الغدر ونقص الرجولة.
قتلوه بصمتهم، وقتلوه بإنكارهم، وقتلوه قبل ذلك كله حين نزعوا عنه رداء الإنسان وألبسوه رداء "الهدف" و"المتراس".
إن تحويل القامة السياسية إلى درعٍ بشري ليس سوى اعترافٍ مبطن بأن "الفئران" التي تحتمي به تخشى المواجهة، فتختبئ خلف شيبةِ رجلٍ أعزل.
لقد وضعوه تحت رحمة النار، لا ليحمي جدرانهم، بل ليقتلوه بدمِ غيرهم، في لعبةٍ قذرةٍ لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.
هذا القتل لم يكن طارئاً، بل كان فعلاً معتمداً، نابعاً من عنصريةٍ متجذرة ترى في دماء اليمنيين مجرد "وقود" لمحرقة "السيد" المهووس بالدم والسيادة.
كيف لسلطةٍ تدعي "المسيرة" أن تهدر دم سجينٍ سياسي، كان يفترض بها أن تصون حرمته وتكرم ضيافته القسرية لو كانت تملك ذرة من قيم العرب؟
لكنهم اختاروا الهدر، واختاروا أن يحولوا جسده إلى قربانٍ في معبد "التعالي" الذي لا يرى في الآخرين سوى عبيدٍ أو أعداءٍ أو دروع.
إنه ذبيحة الأوغاد في معبد النكران.
لقد ذبحوا قحطان، ثم بدأوا المهمة الأكثر قذارة: "توزيع لحمه شِركة عيد" بين الأطراف المتحاربة، وكأنهم يقتسمون غنيمةً في سوق النخاسة.
أرادوا من موته أن يكون "ورقة رهان" يبتزون بها الوطن، ويقايضون بها صفقاتهم المشبوهة، وكأن الروح البشرية مجرد رقم في كشوفاتهم.
لم يكتفوا بالقتل المادي، بل وسعوا دائرة الفتك لتطال كل خلية في جسد أسرته الصغيرة التي تموت كل يوم منذ عقدٍ من الزمان.
عشر سنوات من "النكران" الممنهج، وعشر سنوات من "التسويف" الذي كان ينهش في كبد زوجته وأبنائه أكثر مما ينهش الرصاص.
لقد جعلوا من "الغياب" سلاحاً، ومن "الغموض" أداة تعذيب، ليميتوا قلوباً كانت تنتظر صوتاً أو طيفاً أو خبراً ينهي كابوس الانتظار.
كل يومٍ مرَّ وقحطان في "اللا مكان"، كان بمثابة طعنةٍ جديدة في صدر المدنية اليمنية التي كان يمثلها بذكائه ودهائه.
القتل هنا لم يكن "حقيراً" فحسب، بل كان فعلاً "وجودياً" استهدف القضاء على آخر جسور الحوار، واستبدال لغة العقل بلغة البارود والغدر.
إنهم يوزعون أشلاءه اليوم في ردهات الفنادق ومكاتب التفاوض، يساومون على الجثة بعد أن خانوا الروح، ويتاجرون بالاسم بعد أن غيبوا الجسد.
يا له من "نكرانٍ أحقر"، حين يُنكر الجاني جريمته وهو يرقص فوق قبر الضحية، ويدعي الطهارة وهو مغموسٌ في وحل الدماء المحرمة.
أيُّ سلالةٍ هذه التي تجد متعتها في "اللعب بمصير" رجلٍ صار رمزاً، وتحويل معاناته إلى مادة للتسلية السياسية والابتزاز الرخيص؟
إنهم لم يضعوه تحت رحمة شظايا الصواريخ فحسب، بل وضعوه تحت رحمة "عنصريتهم" التي لا ترى في الخصم سوى كتلة من اللحم القابل للاحتراق.
لقد كان قحطان في سجنهم "أكبر من زنزانته"، وكانوا هم في قصورهم "أصغر من خوفهم"، لذا أرادوا التخلص منه ليرتاحوا من سطوة حضوره الصامت.
إن قتل "السجين السياسي" هو ذروة الإفلاس الأخلاقي، وإعلانٌ رسمي عن سقوط "سلطة الانقلاب" في هاوية التوحش والجاهلية الأولى.
لقد قتلوا الرجل الذي كان يقترح الحلول، ليفسحوا المجال للرصاص الذي لا يجيد سوى لغة الموت والخراب.
ما حدث لقحطان هو "تكثيف" لمأساة اليمن بأكمله؛ بلدٌ يُحول إلى درعٍ بشري، وشعبٌ يُوزع لحمه "شِركة" بين أمراء الحرب والأهواء الطائفية.
إن القاتل الذي يختبئ خلف "النكران" هو قاتلٌ مرتين، وهو جبانٌ يعلم أن الحقيقة ستحرقه يوماً ما كما أحرقت شظاياهم قلب قحطان.
هذا النص ليس رثاءً، بل هو "صيحة احتجاج" ضد "الأوغاد" الذين حولوا السياسة إلى مذبح، والقيم إلى مجرد هوامش في ملازم "السيد".
قحطان الذي قتلوه، سيبقى "لعنةً" تطاردهم في نومهم وصحوهم، وستكون "دموعه المنسية" في السجون هي الطوفان الذي سيجرف عروشهم الورقية.
لقد أرادوا له "قتلاً حقيراً" في الزوايا المظلمة، لكنهم منحوه "خلوداً عظيماً" في ذاكرة الأجيال كشهيدٍ للمبدأ والمدنية.
تباً لهذا الزمن الذي يصبح فيه "تصدير البشر كدروع" عملاً بطولياً، ويصبح فيه "الغدر بالأسير" مناورة سياسية تستحق التصفيق.
ستبقى حكاية قحطان هي "الجرح المفتوح" في جسد الكرامة اليمنية، وهي الشاهد الأبدي على خسة من خانوا "حرمة الدم" وباعوا "شرف الخصومة".
لقد قتلوا قحطان.. نعم، لكنهم بقتله أحيوا فيه "أمةً" لن تغفر، ولن تنسى، ولن تساوم على دمِ من كان يوماً صوتها وعقلها وقلبها النابض.
القتل حقير، والنكران أحقر، والتاريخ لا يرحم الذين جعلوا من أجساد الأحرار حواجز لجبنهم، ومن دماء المغيبين أوراقاً في لعبة القمار.
ستظل أسماء القتلة تذوب في وحل النسيان، بينما سيبقى اسم "محمد قحطان" علماً يرفرف فوق قمم "تعز" وفي ذرى "صنعاء" المنهوبة.
لقد قتلوا الرجل، لكنهم لم يقتلوا "القضية"، وستبقى "صرخة الأسير" تزلزل أركان "كهفهم" حتى ينهار فوق رؤوسهم المثقلة بالذنوب.
ختاماً، إن كان قحطان قد رحل، فقد رحل عزيزاً، كريماً، ثابتاً، وترك خلفه "عاراً" سيلاحق أحفاد أحفادهم إلى أبد الآبدين.
النكران هو السلاح الأخير للمهزومين، والحق الذي أرادوا طمسه سيشرق من خلف قضبان السجون ومن تحت أنقاض المواقع التي جعلوه فيها درعاً.
يا وجع "اليمن" في رجاله، ويا خزي "الميليشيا" في أفعالها، ويا عظمة الصمود في قلب "قحطان" الذي لم ينكسر حتى وهو يواجه "القتل الحقير".
لقد قُتل قحطان.. فليصمت العالم، وليتحدث الدم الذي لا يموت، وليعلم الظالمون أن "حساب الأرض" آتٍ قبل "حساب السماء".
هذا هو قحطان، وهذا هو قتلهم، وهذا هو نكرانهم الذي فاق في "حقارته" كل حدود الخيال البشري.
لن يوزعوا لحمه "شِركة عيد"، بل سيأكلون "ندماً" طوال ما تبقى لهم من أيام، فالدم الغدر لا يورث إلا الهلاك.
وداعاً يا "محمد قحطان"، إن كانوا قد قتلوك حساً، فلقد قتلتهم "معنى" وصموداً وتاريخاً، وستظل أنت "الجمهور" وهم مجرد "وجوه عابرة" في نفقٍ الوطن المظلم.
